الصراع من أجل توسيع النفوذ ظاهرة تلازم حكّام الجور، حتى لو كانوا ضمن أنظمة «ديمقراطية». ومنطلق هذا الجشع تعمّق مشاعر الأنانيّة وحبّ الرئاسة في نفوس هؤلاء الحكّام.
فمثلا يُفترض أن يكون اليمن دولة مستقلة آمنة يحكمها أهلها ويعيشون في كنفها ضمن ما هو متاح لهم من إمكانات سياسية ومادّيّة. فما الذي يدفع حكومة أخرى كحكومة دولة الإمارات لإظهار الرغبة في التوسع السياسي؟ أهي دوافع مادّيّة وهي التي تملك ثروات هائلة؟ أم أن رغبة حكامها في التظاهر بالقوّة المدعومة بالتمدد الجغرافي يدفع لذلك؟
لماذا يتحدث الرئيس الأمريكي عن رغبته في السيطرة على جزيرة «غرينلاند» التي تتبع للدنمارك، حليفة أمريكا في حلف الناتو؟ وما هي حدود الأطماع الأمريكية التي أشار الرئيس
ترامب لبعضها مرارا؟ لم يُخف ترامب دوافعه للعدوان الأمريكي الأخير على
فنزويلا، واختطاف رئيسها ونقله إلى السجون الأمريكية، بل أكد أن ذلك من أجل النفط. فلدى فنزويلا أكبر احتياطي نفطي في العالم. وكذلك لدى كندا من النفط والمعادن ما يغري شركات الاستثمار الامريكية بشكل كبير. هذه الدوافع الاقتصادية تمثل الجانب الأكبر من الأطماع الأمريكية التي يعبّر عنها ترامب بوضوح. لذلك يُعتبر التصرّف الأمريكي سرقة في وضح النهار.
وإذا كانت التوترات الإقليمية مصدر قلق كبير ومستمر، فإن الأطماع الغربية، خصوصا الأمريكية، هي المصدر الأكبر لقلق الحكومات والشعوب في المنطقة العربية على وجه الخصوص. فإذا كان ترامب لا يتردد عن سرد أطماعه في بلدان حليفة مثل كندا وغرينلاند، وكذلك فنزويلا، فما الذي يردعه عن التفكير في السيطرة على منابع النفط العربيّة؟ ولطالما قيل أن الغربيين، خصوصا الأمريكيين، ليسوا بحاجة للتدخل المباشر للسيطرة على منابع النفط. ويشيرون إلى ما حدث في العراق، وكيف أن النفط كان من أكبر حوافز أمريكا للتدخل العسكري المباشر في ذلك البلد، وإسقاط نظامه وتمكين الشركات الأمريكية من توسيع نشاطاتها في العراق.
وها هو ترامب يفتح الطريق على مصراعيه للشركات الأمريكية لبدء العمل في فنزويلا لنهب نفطها وما بها من معادن ثمينة. إنها ظاهرة لم تعد مقلقة لحكومات العالم الثالث فحسب، بل إنها تقلق حلفاء أمريكا في العالم خصوصا في أوروبا. فماذا يعني الإصرار على قضم غرينلاند وضمها للولايات المتحدة؟ هذا مع علم ترامب أن ذلك ستكون له انعكاساته على التماسك الغربي خصوصا حلف الناتو الذي أصبحت له أهمية إضافية في ضوء الأزمة الأوكرانية. لذلك هناك استغراب شديد في الدوائر السياسية والبحثية الغربية من سياسات ترامب وانعكاساتها الحتمية على العلاقات داخل الناتو. وفي غياب القيادات السياسية الغربية القويّة يجد ترامب نفسه وكأنه يتحرك في الملعب الدولي بدون منافس أو منازع.
كان هناك امتعاض شديد لدى قطاعات سياسية واسعة في هذا العالم من ظاهرة القطب الواحد في عالم اليوم، وكيف أن بقاء أمريكا بلا منازع على رأس الهرم في عالم يزداد تعقيدا وخطرا، وتنتشر فيه أسلحة الدمار الشامل على نطاق واسع، يمثل تهديدا للأمن والسلم الدوليين. فبرغم المخاطر التي كانت مصدر قلق في حقبة الحرب الباردة، فقد كانت سياسة الردع النووي كافية لتجنيب العالم مخاطر اندلاع نزاعات عملاقة. وحتى عندما حدثت أزمة الصواريخ في كوبا في العام 1961، لم يكن العالم قد بلغ من حيث التعقيد وخطر الحرب النووية ما هو عليه الآن. يومها كان للأمم المتحدة دور معترف به لحل النزاعات العالمية. ولذلك فعندما لقي أمينها العام، داغ همرشولد، مصرعه في غابات الكونغو في العام 1961 كان ذلك سببا لشعور عميق بالحزن من جهة وخيبة الأمل من جهة ثانية وإحساس واسع بتراجع دور الأمم المتحدة في النزاعات الدولية ثالثا.
لقد كانت حقبة الحرب الباردة مقلقة للعالم خصوصا مع استمرار شبح الحرب النووية، علما بأنها جاءت بعد فترة وجيزة من استخدام القنبلة الذرّيّة قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية. وأصبحت تلك التجربة رادعا عن التلويح باستخدام السلاح النووي نظرا لما ينجم عنه من مخاطر على البشرية كلها. وسواء استُخدم السلاح النووي أم اقتصرت النزاعات على السلاح التقليدي فإن من السذاجة بمكان التقليل من مخاطر الحرب وما تحدثه من دمار بشري ومادّي. وبرغم التأكيد على أن تكديس السلاح إنما هو للردع بالدرجة الأولى، فإن ما عانته الشعوب التي ابتليت بالحروب لا يمكن تجاوزه. وها هي الحرب الأوكرانية تكمل عامها الرابع بدون أن يلوح في الأفق نهاية سريعة لها، وها هي أعداد ضحاياها تتصاعد بدون توقف.
الامم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وأغلب منظمات المجتمع المدني لاذت بالصمت وفضّلت ذلك على إطلاق تصريحات أو الإعلان عن مواقف تدين أمريكا خشية من غضب ترامب
وما يجعل الحرب في الوقت الحاضر مصدر رعب أكبر أن كبرى دول العالم تشعر بقدرتها على كسب أي نزاع مسلّح نظرا لما تملكه من تكنولوجيا عسكرية متقدّمة، وما لديها من ترسانة أسلحة أكثر تطورا وحجما مما لدى الآخرين. ولذلك جاء تدخل أمريكا في فنزويلا مباشرا ويتسم بالصلافة والغرور. فقد اختُطف رئيسها وزوجته ونقلا إلى الأراضي الأمريكية وأعلن ترامب نفسه أن أمريكا سوف تدير شؤون فنزويلا. حدث ذلك بدون أن يكون للأمم المتحدة أو المجتمع الدولي أي دور في تلك الحرب التي يعتبرها الكثيرون «غير مشروعة».
هنا كان السلاح الأمريكي بنوعيته وحجمه وحده المتحرّك في الميدانين السياسي والعسكري، فلم يجرؤ أحد على رفض التدخل الأمريكي أو الدعوة لإعادة مادورو إلى الحكم، وهو الرئيس الذي انتخبه شعبه عبر صناديق الاقتراع. وهذا ليس أمرا جديدا. فعلى مدى ثمانين عاما تصرفت أمريكا بشكل منفرد بدون أن تشعر بالحاجة لقرارات دولية أو مصدر لشرعية أعمالها العسكرية. حدث هذا في فيتنام ولاوس، وكذلك في العراق والآن في فنزويلا.
بل أن الامم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وأغلب منظمات المجتمع المدني لاذت بالصمت وفضّلت ذلك على إطلاق تصريحات أو الإعلان عن مواقف تدين أمريكا خشية من غضب ترامب الذي أعلن نفسه، من الناحية العملية، ملكا متوّجا للعالم بلا منازع. وإذا كان هناك من يعوّل على الدول الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، فقد خاب ظنه، لأن أيا منها رفض إعلان موقف مبدئي وواضح، ولم يدع أي منهم لعقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن لمناقشة الوضع وشجب ما يعتبره العالم «عدوانا» على فنزويلا.
وهكذا تبدو صورة المشهد السياسي المستقبلي في العالم أكثر وضوحا. ففي غياب المنافسة السياسية أو العسكرية الحقيقية لم يعد هناك حاجة للتفكير بمنطق «توازن القوى» بعد أن أنتهى ذلك التوازن واستُبدل بقوة مطلقة لدولة يحكمها رئيس لا يعترف بالبروتوكولات. بل أن امريكا أعلنت الأسبوع الماضي انسحابها من 66 مؤسسة دولية لتأكيد إصرارها على انتهاج سياسات خاصة، منها 31 تابعة للأمم المتحدة و 35 منظمة مستقلة عنها. هذه السياسة تجسيد لمقولة «أمريكا أولا» التي طرحت منذ صعود ترامب إلى الرئاسة في يناير 2017.
المشكلة أن ما يبدو انسحابا من الشأن الدولي لا تؤكده التدخلات الأمريكية في شؤون البلدان الأخرى. لذلك أصبح عدد من دول أمريكا الجنوبية قلقا من احتمالات التدخل الأمريكي على غرار ما حدث في فنزويلا. وهذا القلق قائم كذلك في عدد من دول
الشرق الأوسط، خصوصا مع وجود دور إسرائيلي يحرّض أمريكا على العدوان واستهداف الأنظمة الرافضة للاحتلال. لذلك يُتوقع أن يشهد العام الحالي المزيد من التوترات الإقليمية والمماحكات السياسية والتنافس المحموم على توسيع النفوذ من قبل الأطراف الفاعلة الإقليمية والدوليّة. ويتمنى الكثيرون أن يتم احتواء الأزمات وتبريد البؤر الساخنة لقطع الطريق على الذين يراهنون على ذلك من أجل تمرير مشاريع التفتيت والاستغلال. إن لم يحدث ذلك فسوف يبقى العالم تحت تصرّف التحالف الأمريكي ـ الصهيوني الذي لا يعرف حدودا للعدوان.
القدس العربي