مقدمة:
كثرت في العقدين الأخيرين
الكتابات حول
العمران الإسلامي، والعمران الإنساني، وما إلى ذلك من العناوين التي تضاف
فيها عدد من المفردات إلى مصطلح العمران، وكأن عددا من المؤلفين في الفكر الإسلامي
المعاصر وجدوا في هذا المصطلح كنزا ثمينا يلبسونه عددا من المفاهيم الفكرية والحركية
والسياسية، ويغطون به أحيانا على ضعف التنظير وعدم القدرة على التجديد، فشاع تداول
مصطلح العمران بشكل كثيف، مثله في ذلك مثل مصطلح المقاصد، فالثاني يعزى لعلم أسس له
الإمام الشاطبي مرتبط بالعلوم الشرعية، والأول يعزى لعلم مختلف أسس له
ابن خلدون مرتبط
بالعلوم الاجتماعية هو علم العمران.
وإذا كان هذا المقال
النقدي لا يتسع لتناول عدد مهم من الإسهامات حول مفهوم العمران وأسسه وقواعده وسننه
وعوائقه وتجربته في السيرة النبوية، وتأصيله في نصوص القرآن، وما إلى ذلك مما وسعنا
الاطلاع عليه من أربعين مرجعا ألف على مدى ثلاثة عقود، مع تسجيل الكثافة في العقدين
الأخيرين، فإننا سنقتصر على ما نراه جوهريا من نقد شكل التعاطي مع هذا الاصطلاح الخلدوني،
تماما كما فلعنا حين سجلنا آراءنا النقدية حول الإسهامات المقاصدية واستقراء أفقها.
العمران: في إشكالات
المفهوم
يعترف كثير من الباحثين
بأن هذا الاصطلاح هو خلدوني بامتياز، فهو الذي أطلقه، وهو الذي عرفه، وهو الذي رسم
أسس العلم الموسوم باسمه، وهو الذي حدد موضوعه في مقدمته، فالأمر في البدء والمحصلة
يتعلق بالاجتماع الإنساني، وكيف نشأ وتطور، أي أن ابن خلدون ناقش أصل الاجتماع وأحواله
المتغيرة، وحاول ضمن "علم العمران" استقراء القوانين المفسرة لهذه الأحوال،
فدرس الاجتماع الإنساني في جميع صوره: الطبيعية، ثم الاجتماعية، ثم حين تستحيل الجماعة
إلى كيان سياسي (دولة) ثم حين تستحيل إلى "إمبراطورية"
سماها الدولة العامة الاستيلاء، ولم يغفل أن يناقش الأنشطة الاقتصادية والعلمية والمعرفية
لهذه الجماعة البشرية، ويستقرئ القوانين التي تحكمها.
لا تناقض البتة في رأي ابن خلدون في عدم اشتراط قيام العمران في طبيعته وضرورته على الوازع الديني، واشتراط الرابطة الدينية في تقوية العمران. وتفسير ذلك، أن ابن خلدون خص العرب بأوصاف ذاتية مخصوصة منافية للعمران
من هذه الجهة، نستطيع القول بأن ابن خلدون كان دقيقا في تعريف الاصطلاح، وتحديد
العلم الخاص به، وموضوعه، واستقراء القوانين والسنن المفسرة، والتمثيل لها، بما يجعل
علمه ومفهومه للعمران مستساغا ومقبولا من الناحية العلمية والاصطلاحية، بل إنه ذهب
أبعد من ذلك، وحرر موضوع علاقة الاجتماع بالدين تحريرا موضوعيا، حيث وضع القضية في
سياق الضرورة الطبيعية، وطرح التساؤل عن إمكان الاجتماع والعمران الإنساني من غير وازع
ديني، وهل تقتضي الأدلة البرهانية اشتراط الوازع الديني لتسويغ ضرورة العمران الإنساني،
وانتهى من ذلك إلى أن النبوة أو الوازع الديني بشكل عام، ليس شرطا ضروريا في العمران،
وأن البرهان
العقلي لا يقره، واستدل على ذلك بقيام عمران تجارب عديدة من العمران الإنساني
من لا نبوة ولا رابطة أو دعوة دينية، فذكر أن أهل الكتاب والمتبعين للأنبياء قليلون
بالنسبة إلى المجوس الذين شكلوا الأكثرية من أهل العالم، ومع ذلك كانت لهم دول وآثار
مع أنه ليس لهم أي كتاب.
قد يعترض معترض ويقول بأنه إذا الاستدلال البرهاني يقر بوجود عمران بشري من
غير وازع من دين، فلماذا تحدث ابن خلدون عن دور الدين والرابطة الدينية في قيام العمران
أو تقويته؟
والتحقيق أنه لا تناقض البتة في رأي ابن خلدون في عدم اشتراط قيام العمران في
طبيعته وضرورته على الوازع الديني، واشتراط الرابطة الدينية في تقوية العمران. وتفسير
ذلك، أن ابن خلدون خص العرب بأوصاف ذاتية مخصوصة منافية للعمران، من ذلك كونهم "أمّة
وحشيّة" "لا تقبل الانصياع والانقياد" للسلطة، و"غلبة التوحش عليهم
وللغلظة والأنفة وبعد الهمّة والمنافسة في الرّئاسة، وأن ذلك يجعلهم غير مؤهلين للملك
لرفضهم الانقياد لغيرهم ولعدم اجتماع أهوائهم، إلا أن تكون هناك رابطة دينية من نبوة
أو ولاية أو أثر عظيم من الدين يسهل انقيادهم واجتماعهم، "وذلك بما يشملهم من
الدّين المذهب للغلظة والأنفة الوازع عن التّحاسد والتّنافس، فإذا كان فيهم النّبيّ
أو الوليّ الّذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها
ويؤلّف كلمتهم لإظهار الحقّ تمّ اجتماعهم وحصل لهم التّغلّب والملك، وهم مع ذلك أسرع
النّاس قبولا للحقّ والهدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتها من ذميم الأخلاق،
إلّا ما كان من خلق التّوحّش القريب المعاناة المتهيّئ لقبول الخير ببقائه على الفطرة
الأولى وبعده عمّا ينطبع في النّفوس من قبيح العوائد وسوء الملكات، فإنّ كلّ مولود
يولد على الفطرة كما ورد في الحديث وقد تقدّم".
هكذا كان تعريف ابن خلدون موضوعيا دقيقا يمكن إدراكه، ويمكن أيضا التواضع عليه
حتى عند الذين لا يتقاسمون الخلفية الدينية في تفكيرهم واجتهاداتهم.
كان يفترض أن يبقى هذا التعريف بهذه الدقة والموضوعية والقدرة على التحاور مع
الغير، لكن، ما استقرأناه في أدبيات كثير من المشتغلين بالفكر الإسلامي، أحال مفهوم
العمران لشيء آخر، انطلق من رؤية ابن خلدون، لكنه حاول أن يضفي عليها أبعادا دينية
انطلاقا من تأويل خاص لنصوص لبعض نصوص القرآن الكريم (المتعلقة أساسا بالاستخلاف).
وممن أعطى للعمران حيزا كبيرا في كتاباته الدكتور طه جابر العلواني، إذ رفع
مرتبته لدرجة المقصد الكلي الحاكم، لكنه مع ذلك لم يعتن بتعريفه، بل فضل في الغالب
أن يعرض لمفهومه في سياق العلاقة بمفاهيم أخرى مثل الاستخلاف أو التسخير، أو بذكر بعض
لوازمه. والملفت للانتباه أن كتابه "التوحيد والتزكية والعمران" فصّل في
التوحيد، وأجمل القول في التزكية، ولم يفرد الحديث عن العمران، مع أنه جعل القيم العليا
الحاكمة ثلاثة: التوحيد والتزكية والعمران، ولعله شعر بهذا النقص، ووعد في مقدمة كتابه
أن يستكمله فيما تبقى له من العمر، لكن الأجل داهمه قبل إتمام الكتاب.
ومهما يكن، فإن كتابات طه جابر العلواني لا تخلو من إشارات لمفهوم العمران،
يمكن ضم بعضها لبعض لاستخلاص حدوده وماهيته، فقد تحدث بشكل مبكر عن المهمة العمرانية
للإنسان، وذلك في معرض حديثه عن استخلاف الإنسان، والأمانة التي طوّقه الله بها في
الأرض، ونعمة التسخير التي منحه الله إياها لتنفيذ مهمته الاستخلافية، والتي سماها
العلواني بالمهمة العمرانية. وتحدث في معرض توضيحه لحقيقة إسلامية المعرفة وأهميتها،
وبيان مصدري المعرفة الإسلامية: الوحي (القرآن والسنة) والكون، وضرورة الجمع بين قراءة
هذين المصدرين، وأن الهدف الأساسي من فهم هذين المصدرين والجمع بين قراءتهما التمكن
من القيام بمهمة الاستخلاف وأداء الأمانة وتحقيق العمران الذي خلق الجنس البشري لتحقيقه.
وتحدث عن المعنى ذاته في موضع آخر، فتحدث عن العمران بوصفه مقتضى من مقتضيات التوحيد
وثماره، إذ يقوم بمهمة تحرير العقل وتفجير طاقاته، ويدفع الإنسان نحو تزكية ذاته وأسرته
ومجتمع، ويحفز الجميع على العمران في الأرض التي استخلف فيها.
وقد تتبعتُ موارد العمران في كتابه "التوحيد والتزكية والعمران محاولة
في الكشف عن القيم والمقاصد العليا الحاكمة"، فوجدته يعيد تقريبا نفس هذه المعاني
التي تربط العمران أو المهمة العمرانية بأداء مهمة
الخلافة في الكون.
يتحصل من مجموع هذه الموارد التي ذكرت فيها لفظة العمران في كتابات العلواني،
أنه تارة يرادف مفهوم العمران مع مفهوم الاستخلاف، وتارة أخرى، يعتبر العمران فعلا
إنسانيا تجاه الكون والحياة، وتارة يربط العمران بإنجاز الحضاري المحمل بالأبعاد الرسالية
المتضمنة في العقدية المؤطرة للإنسان المعمر. لكن في المجمل، لا يستقل مفهوم العمران
بنفسه، إذ يبدو أقرب أن يكون ثمرة من ثمار إنسان التوحيد والتزكية، وهذا ما يؤكد التلازم
بين الفعل الإنساني، وبين الرؤية الفكرية والروحية والتربوية المؤطرة له، إذ تمنحه
تلك الرؤية القصد والهدف، وترشد مساره، وتجعله في خدمة الكون والحياة والإنسان.
والظاهر من كتابات طه جابر العلواني حول مفهوم العمران وعلاقته بالتوحيد، أنه
لم يزد شيئا عما ذكره سيد قطب في تفسيره في ظلال القرآن، الذي ربط ربطا وثيقا بين عمارة
الأرض وبين عقيدة التوحيد، واعتبر العمران نتاجا طبيعيا لأثر العقيدة في النفس الإنسانية،
إذ هي التي تحفز النشاط الإنساني والإبداع والبناء والتشييد.
ففي تفسيره للآية 105 من سورة الأنبياء، يرى سيد قطب أن الله تعالى استخلف آدم
في الأرض لعمارتها وإصلاحها، وتنميتها وتحويرها، واستخدام الكنوز والطاقات المرصودة
فيها، واستغلال الثروات الظاهرة والمخبوءة، والبلوغ بها إلى الكمال المقدر لها في علم
الله. فأشار إلى أن الله وضع للبشر منهجا كاملا متكاملا للعمل على وفقه في هذه الأرض،
منهجا يقوم على الإيمان والعمل الصالح، وبيّن أنه في هذا المنهج ليست عمارة الأرض واستغلال
ثرواتها والانتفاع بطاقاتها هي وحدها المقصودة، ولكن المقصود هو هذا مع العناية بضمير
الإنسان، ليبلغ الإنسان كماله المقدر له في هذه الحياة، فلا ينتكس حيوانا في وسط الحضارة
المادية الزاهرة؛ ولا يهبط إلى الدرك بإنسانيته وهو يرتفع إلى الأوج في استغلال موارد
الثروة الظاهرة والمخبوءة. ويخلص سيد قطب إلى أنه وحيثما اجتمع إيمان القلب ونشاط العمل
في أمة، فهي الوارثة للأرض في أية فترة من فترات التاريخ.
ويتضح مفهوم سيد قطب أكثر لمفهوم عمارة الأرض وعلاقتها بمفهوم الاستخلاف، عند
تحريره لمفهوم العبادة في تفسير قوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"،
فقد قرر في تفسيره أن مدلول العبادة هو أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشعائر، وأنها تتوسع
لتشمل مجمل النشاط المطلوب من الإنسان، فيعتبر أن جوهر العبادة ومفهومها الأوسع هو
الخلافة في الأرض وعمارة الأرض، والتعرف إلى قواها وطاقاتها، وذخائرها ومكنوناتها،
وتحقق إرادة الله في استخدامها وتنميتها وترقية الحياة فيها، والقيام على شريعة الله
في الأرض لتحقيق المنهج الإلهي الذي يتناسق مع الناموس الكوني العام. فالخلافة في الأرض
-في منظور سيد قطب- داخلة في مدلول العبادة، بل إنه يرى أن من مقتضيات استقرار معنى
العبادة أن يقوم الإنسان بالخلافة في الأرض، وينهض بتكاليفها، ويحقق أقصى ثمراتها.
لا شك أن مفهوم العلواني للعمران ينهل مفرداته الأساسية مما ذكره سيد قطب، سوى
أن الفارق أنه هذّب التعريف، وأخرج منه الدلالة السياسية الكثيفة التي أضفاها سيد قطب
على مفهوم الخلافة وإقامة منهج الله في الأرض، وقصره على النشاط الإنساني المنبثق من
التوحيد، أو الذي يقتضيه التوحيد، علما أنه فصّل في مقتضيات التوحيد في المجال السياسي،
فذكر إقامة العدل ورعاية الحقوق والحريات، وكان في ذلك أقرب إلى تيار المشاركة السياسية
منه إلى فكر سيد قطب الرافض للنسق السياسي.
ولئن كان العلواني قام بتهذيب مفهوم سيد قطب لعمارة الأرض، وحاول أن يجرده من
معناه السياسي الحركي، فإن عبد المجيد النجار في كتابه "خلافة الإنسان بين الوحي
والعقل" بدا أكثر تمسكا بمفهوم سيد قطب، فذكر خواص الإنسان التي أهّله الله بها
لاستحقاق مهمة الاستخلاف (رفعة الإنسان في الكون، ورفعة التكوين، القطبية على مستوى
المعرفي)، وأن ذلك أدى إلى حقيقة عقائدية هي تسخير الكون للإنسان، وأن الله تعالى هيأ
العالم لاستقبال الإنسان وسخّر موجوداته لخدمته، وهيأ له كل الشروط ليقوم بمهمة الخلافة
والتعامل العمراني مع الطبيعة. وهي في تصور عبد المجيد النجار تعني: "الخلافة
عن الله تعالى لتنفيذ أمره في الأرض وإجراء أحكامه فيها، وهذا معناه أن يكون الإنسان
سلطانا في الكون بغاية تطبيق المهمة التي كلفه بها المستخلِف -الله- ائتمارا بما أمر
وانتهاء بما نهى".
يرى النجار أن من مقتضيات هذه المهمة الاستخلافية استثمار الأرض واستغلال منافعها
وتسخير مرافقها بما يكتشف من أسرارها وقوانينها
وما قيم فيها من عمران وتجهيز يحكم من سيطرته عليها ولإخضاعها لإرادته. وتتطابق وجهة
نظر النجار مع العلواني، في المقصود بالمهمة العمرانية وأنها تعني التفاعل مع الكون
اعتبارا وتعميرا بما يرتقي بالإنسان وبكرامته لا بما يدفعه للارتكاس لمهاوي الهلاك
والتدني بالذات الإنسانية إلى الاستقالة من عمارة الكون.
يفيد تتبع التعاريف الذي أضفيت على مفهوم العمران في كتابات عدد مهم من الباحثين، أنهم قاموا بخلاف ما قام به ابن خلدون حين حرر العلاقة بين العمران والدين، فبيّن موقع الدين من العمران، وأعطى للسنن الموضوعية حجمها، وللدين موقعه، فحاولوا أن يعطوا للدين كل شيء
وقد تتبعت مفهوم الدكتور فتحي ملكاوي في كتابه منظومة القيم العليا، ثم "منظومة
القيم المقاصدية"، فوجدته قد زاد في تهذيب المفهوم وحاول رده أكثر إلى أصله، أي
تعريف ابن خلدون، فقام بجهد منهجي مقدر في استقراء مادة "عَمَرَ" في اللغة
والقرآن والسنة وفي الدلالة الخلدونية أيضا، وانتهى من ذلك كله إلى أن العمران بالمصطلح
القرآني يعني عمران الأرض بحياة الإنسان وعمران حياة الإنسان بالخير والعمل الصالح
والارتقاء بأساليب الحياة ومقوماتها بإنجازات عمرانية مادية ومعنية، وأشار إلى أن معنى
العمران يتعزز بما يقابله، فهو حياة مقابل الموت، وصلاح وبناء مقابل الخراب والدمار
والهلاك، كما يتعزز العمران بمعرفة الأصل الذي يتفرع عنه، فالإيمان عقلا وقلبا، وإقامة
الحياة على أساس الهدى عملا وتطبيقا، هو الأصل والعمران بالنعيم الدنيوي والأخروي نتيجة.
وقد تتبع دلالات العمران في اللغة وفي القرآن والسنة، وانتهى به المطاف إلى
أن مفهوم العمران يشمل أربع دلالات أساسية: فهو يعني حالة الحياة، والإقامة والسكنى
والبناء في المكان، ويعني العمران المادي، والعمران الثقافي والفكري، فكان تعريفه أبعد
من الإحالة السياسية والحركية التي وجدناها في تفسير سيد قطب وتبناها عبد المجيد النجار
حرفيا وحاول العلواني تهذيبها مع الإبقاء على جوهرها.
وقد تابعت عددا من الباحثين المختصين في الفكر الإسلامي، ممن لم يستطيعوا أن
يعودوا بالمفهوم إلى أصله ويحرروه من دلالته الحركية والسياسية، ومن هؤلاء الدكتور
عبد العزيز البطيوي في "سنن العمران البشري" وإن كان بعبارة أخف دلالة، فقد
عرّف العمران بأنه "حال من الاجتماع الإنساني الضروري لتحقق مجموعة من المقاصد
ودفع المفاسد وجلب المصالح وتبادل العديد منها بين الناس، ليكمل وجودهم وما أراده الله
من اعتمار العالم بهم ومن استخلافه إياهم، وهو ما يحقق أهداف العمران وغاياته، ويضبط
مجالاته وطبائعه وأحواله وعاداته".
وفي المجمل، يفيد تتبع التعاريف الذي أضفيت على مفهوم العمران في كتابات عدد
مهم من الباحثين، أنهم قاموا بخلاف ما قام به ابن خلدون حين حرر العلاقة بين العمران
والدين، فبيّن موقع الدين من العمران، وأعطى للسنن الموضوعية حجمها، وللدين موقعه،
فحاولوا أن يعطوا للدين كل شيء، ويجعلوا السنن الموضوعية مجرد تابع هامشي لا وزن له،
في مقابل ربط العمران بسقف سياسي حركي يتمثل في إقامة الخلافة على الأرض وتطبيق منهج
الله فيه.
قوانين العمران عند ابن خلدون وقوانين العمران عند غيره
من الملاحظ عند تتبع فصول "المقدمة" وأبوابها أن ابن خلدون عني أساسا
بالاجتماع وأحواله، ووضع القوانين التي تفسره، مع الحرص على التمثيل لها بالوقائع التاريخية.
فقد كان غرضه ابتداء كتابة التاريخ والبحث عن معايير موضوعية لتمييز الصحيح والمردود
من الروايات، وانتهى نظره إلى أن هناك قوانين للعمران، يصح أن تستعمل بمثابة قواعد
وضوابط للنظر في الوقائع التاريخية وتمييز صحيحها من سقيمها، ولم يكن مسكونا بفكرة
بيان أهمية الدين ومركزيته وفاعليته في تفسير الوقائع التاريخية، بل أقامه مقامه، وبيّن
دوره بكل دقة مع التمثيل لذلك في كل سياق على حدة: سياق احتياج العرب للرابطة الدينية
لقيام الدولة، وتقوية العصبية بالرابطة الدينية، وأن الدول العامة الاستيلاء تتأسس
على رابطة دينية أو دعوة دينية، وما إلى ذلك من المواضع التي بين فيها وظيفة الدين
في تقوية الدولة والأسس التي تقوم عليها.
ولذلك جاءت السنن والقوانين التي خرّجها مثيرة للجدل في بعض تفاصيلها، ومدعاة
للتأمل والتحقق، وقابلة للنقاش في أوسع نطاق، عند المتدينين وغير المتدنيين، بخلاف
ما جرى عليه بعض الباحثين في الفكر الإسلامي المعاصر، فقد كان همّهم مختلفا، إذ لم
يكن المنطق هو البحث عن السنن والقوانين في الواقعة التاريخية، بل تأكيد وجود سننية
في المرجعية الدينية، ومحاولة البحث عنها ضمن نصوصها وتجربتها التاريخية، بل حتى بين
سائر العلاقات التي أطّرها الدين بأحكامه وقيمه ومبادئه، مثل العلاقات الأسرية والاقتصادية
والاجتماعية، فرأينا البعض يكتب "سنن العمران" في كل هذه المجالات، وبدل
أن يبحث عن القوانين في الوقائع الاجتماعية، بذل جهدا في تخريجها من القواعد المعيارية،
فجاءت كتبهم أشبه ما تكون بإعادة صياغة النص الديني أو المضمون الديني بطريقة تنهل
قاموسيا من مفردات ابن خلدون لا غير، من غير عمق خلدوني.
والملفت للانتباه أن هناك من لجأ إلى السيرة، فحاول أن يخرج تراتبية الحدث التاريخي
فيها وفق سنن العمران، فتحول المسجد، والمؤاخاة، ودستور المدينة إلى "سنن عمران"،
يدرس بها العمران الإسلامي، فتحول الاجتهاد الفكري العمراني إلى مجرد استنساخ مصحوب
بمجرد إعادة صياغة مفردات لا غير.
هناك من لجأ إلى السيرة، فحاول أن يخرج تراتبية الحدث التاريخي فيها وفق سنن العمران، فتحول المسجد، والمؤاخاة، ودستور المدينة إلى "سنن عمران"، يدرس بها العمران الإسلامي، فتحول الاجتهاد الفكري العمراني إلى مجرد استنساخ مصحوب بمجرد إعادة صياغة مفردات
القضية الثانية، في هذه الأفكار النقدية تتعلق باستيعاب العقلية الخلدونية،
التي تقرأ الوقائع بمنطق برهاني عقلاني واقعي، ولا تتكلف الدفاع عن أفكار يزعم أنها
تخدم الدين، وهي في الواقع تنسف العلم وتعرض الدين للحرج. فكثير من الباحثين المهمومين
بفكرة أثر الدين ومركزيته في كل شيء، يضعون أحيانا عقولهم في جانب، وينسجون منطقا غريبا
لا يمتّ بصلة إلى العقل، لمجرد التخوف من أن يكون الارتباط بالبرهان والعقل والواقع
مضرا بمكانة الدين وموقعه، وهو ما يوقع الدين والعلم معا في الضيق والحرج. ولقد أبان
ابن خلدون في مناقشته لأثر الدين في نشأة الاجتماع الطبيعي عن عقلية علمية منصفة، تخلق
الجسور لكونية المعرفة، وإمكان تقاسمها الواسع بين بني الإنسان، وهو ما يحتاج إلى تدبر
وتأمل للنسج على منواله. فأحيانا تكون العاطفة المشحونة بفكرة الدفاع عن الدين وحيويته،
دافعا نحو الإضرار بالدين والعلم على سواء، وبناء الأسوار التي تحول دون انتقال المعارف،
بما في ذلك المعارف الإسلامية نفسها.
وقد قرأت للدكتور عماد الدين خليل في كتابه "ابن خلدون إسلاميا" يتصدى
للذين يحاولون تجريد ابن خلدون من الخلفية الإسلامية، من الباحثين الغربيين وأيضا من
الباحثين العلمانيين العرب، وينتقد ما ذهبوا إليه، ويحرر النظر في مقدمة ابن خلدون،
فيتحدث بموضوعية عن دور الأثر الديني في نظرية ابن خلدون، ولكن ليس بالطريقة التي يكتب
بها بعض الباحثين عن العمران، كما ولو كان مجرد ترجمة حرفية لشعار سياسي، يتمثل في
استعادة الخلافة، خلافة الإنسان على الأرض، وتطبيق منهج الله في الأرض (تطبيق الشريعة)،
وعمارة الأرض وإصلاحها.
وأما القضية الثالثة، والتي لم يقع الالتفات إلى أهميتها، وهي أن الكتابة في
العمران، لا تعني محاولة إخراج النص الديني أو المضمون الديني في قالب سنني، أو محاولة
الإقناع بأصالة الفكر السنني في المرجعية الإسلامية، فهذا تحصيل حاصل، وحتى ولو نجحت
المهمة فيه بامتياز، فلن تتعدى نجاحا نظريا، لتبقى المهمة الملقاة على العاتق، وهي
استئناف النظر الخلدوني في العمران. فابن خلدون قرأ قوانين العمران بالنظر إلى ما توفر
لديه من كتب التاريخ ووقائعه، وقد انتُقد كثيرا لأن أمثلته كانت مستقاة في غالبها من
حقل معرفي يتقنه أو يعرفه أكثر من غيره (تاريخ المغرب)، وغير مستقى من موارد تاريخية
لم يكن على درجة كبيرة من الاطلاع عليها (تاريخ القبائل المشرقية). واليوم، وبعد كل
التحولات التي حصلت على مستوى العمران البشري، وبعد توفر مادة كثيفة من الوقائع التاريخية
حول مختلف الشعوب، ووضوح العلاقات التي تربط بعضها ببعض، أصبح من اللازم إحياء للعقلية
الخلدونية أن تتم كتابة "مقدمات" أخرى، شبيهة بما كتبه ابن خلدون، تبين قوانين
العمران المعاصر وأحواله، لا أن تعيد إنتاج كلام نظري مكرر لا طائل من ورائه، يخلق
القناعة النفسية بأن الفكر الإسلامي هو فكر سنني، وأنه أرسى العقلية السننية، وأسس
لها، دون أن ينبري عقل سنني، فيكشف كما فعل ابن خلدون عن قوانين العمران البشري في
زمن العولمة ونهاية التاريخ.