التحديات الثلاثة أمام وقف واشنطن الحرب على إيران

بلال التليدي
جيتي
جيتي
شارك الخبر
مع اقتراب دخول الحرب على إيران أسبوعها الثالث، بدأ يطرح بشكل جدي سؤال المخرج من الحرب، بعد أن حذرت دول المنطقة من احتمالات اندلاع حرب إقليمية شاملة تهدد أمنها واستقرارها، وبعد أن أصبح العالم كله يتحسس أزمة طاقية غير مسبوقة بسبب إغلاق مضيق هرمز.

لا شيء في خطابات واشنطن وتل أبيب وطهران يؤكد استعدادهم لإعلان نهاية الحرب، فالكل يصر على استكمال حلقاتها، حتى يحقق أهدافه منها، فواشنطن وتل أبيب تقولان بأنهما ستستكملان مهمتهما في تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، وطهران على لسان رئيسها مسعود بزشكيان تشترط لتوقيف الحرب ضمانات دولية بوقف الهجمات وتعويضات لطهران.

مراقبو الداخل الأمريكي، تعبوا من تحليل تصريحات دونالد ترامب حول توقيت إنهاء الحرب، فهو يقول بأن الحرب ستستمر حتى تحقيق أهداف واشنطن منها، ثم يقول بأن الحرب وشيكة النهاية وأن واشنطن لم يعد لها أهداف لضربها في إيران، أما تل أبيب فقد عدلت أهدافها، فصارت تتحدث عن إضعاف إيران بدل إسقاط النظام.

هذا التقابل الإيراني الأمريكي بشأن مستقبل الحرب، والاضطراب في تصريحات الرئيس الأمريكي، والتحول في الموقف الإسرائيلي، يعني أن التقدير الأمريكي والإسرائيلي لأهداف الحرب كان خاطئا، وأن تقييما جرى ويجري من أجل استدراك الموقف، وأن طهران تحاول أن تستثمر ذلك لكسب نقاط على الأرض، من خلال الصعود للجبل وفرض الشروط على واشنطن وتل أبيب لإنهاء الحرب.
هل يعني ذلك أن إيران انتصرت؟

لحد الآن لا شيء واضحا، فالمعركة لا تجري في حقيقتها على الميدان العسكري فقط، وإنما أيضا على ميدان السياسة والدبلوماسيا والاستراتيجيا، وأن استمرار أو وقف الحرب العسكرية ما هو في الجوهر سوى أداة لتحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية.

في الداخل الأمريكي، تكبر القناعة بأن الإدارة الأمريكية تورطت في حرب ليست حربها، وإنما هي حرب تل أبيب، التي حاولت منذ أربعين سنة جر واشنطن إليها، فقاوم رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطها حتى سقط دونالد ترامب في الفخ، والذين ينظرون بمصالح أمريكا الاستراتيجية بعيدا عن اعتبارات الكسب السياسي والانتخابي، يقولون بأن على واشنطن التفكير بشكل سريع في خيار للخروج من الحرب، لا يجهز على مكتسبات ما بعد الحرب على غزة، أي استحقاقات تطبيع دول المنطقة مع إسرائيل، وتجريد حزب الله من سلاحه ومحاور إيران في المنطقة من السلاح.

تستطيع إيران في الواقع أن تستمر في الحرب لأسابيع، وتستطيع أن توسع الضربات على المناطق المحتلة، وحتى على القواعد العسكرية الأمريكية ومصالحها في المنطقة، وتستطيع أيضا أن تجر الحوثيين إلى المعركة، وتمارس بذلك ضغوطا أكبر على دول العالم فتتحرك من واقع التداعيات الاقتصادية والتجارية للضغط على واشنطن لوقف الحرب، لكن، سنعود دائما إلى نقطة نفسها، بعد أن تقتنع واشنطن وتل أبيب من أنه لا بد من مخرج من الحرب، إذ سيطرح سؤال كيف تتوقف الحرب دون الإجهاز على المكتسبات السابقة؟

في التقييم الإيراني، هناك رأي قوي بطهران يقول بأنه وقع خطأ حينما استجابت طهران لوقف غير مشروط لإطلاق النار في حرب الاثني عشر يوما من شهر يونيو السنة الماضي، وأنه كان عليها الاستمرار في الحرب لانتزاع ضمانات دولية بعدم استهدافها مرة أخرى من قبل واشنطن وتل أبيب، ولذلك، يبدو هذا التقييم اليوم أشبه بمرجعية ينظر بها لمستقبل الحرب الجارية، فتتصرف طهران اليوم كما ولو كانت منتصرة وتطرح شروطها، في حين، رغم الضربات الموجهة التي تتلقاها تل أبيب في عمقها، فإنها تضع بيضها الكامل في توسيع انتشارها في جنوب لبنان للحصول على مواقع إضافية التي استبقت عليها في حربها السابقة على حزب الله، وتتحدث إسرائيل اليوم على احتلال خمسة عشر موقعا، فتل أبيب تدرك أن نهاية الحرب وشيكة، وأنه لا ينبغي أن تخرج منها دون مكسب سياسي واستراتيجي، تستخدمه لمواجهة الانقسام السياسي الداخلي، وللإقناع باستكمال أجندة صياغة منطقة الشرق ألأوسط.
المعركة لا تجري في حقيقتها على الميدان العسكري فقط، وإنما أيضا على ميدان السياسة والدبلوماسيا والاستراتيجيا

دول الخليج، ومعها الأردن وتركيا وحتى باكستان تتوحد رؤيتها في ضرورة عدم التورط في الأجندة الإسرائيلية لتوريط دول المنطقة في الحرب مع إيران بقصد إضعاف الجميع، ووضعهم في نهاية المطاف أمام استحقاقين خطيرين: قضم جزء مهم من أراضيهم العربية لصالح إسرائيل الكبرى، والضغط للدخول الجماعي إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وهي متفقة أيضا حول ضرورة ممارسة الضغط على الجميع من أجل إيقاف الحرب دون تحقيق أي رهان، لا إيراني، ولا أمريكي إسرائيلي.

وضمن هذا السياق، ربما تتقاطع مصالح هذه الدول مع مصالح طهران في استثمار الورقة الطاقية، فإيران تريد فرض شروطها لإيقاف الحرب، ودول الخليج أعلنت القوة القاهرة لممارسة مزيد من الضغوط على واشنطن وإسرائيل لوقف سريع للحرب قبل أن تتحول إلى حرب إقليمية شاملة، وهي تمارس الضغط نفسه على إيران من خلال مقترح تقدمت به إلى مجلس الأمن بإدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق، وحققت تصويتا غير مسبوق لفائدتها.

الخبراء الدبلوماسيون يطرحون خيارات كثيرة للخروج من الحرب، فيرى البعض منهم أن الأمم المتحدة يمكن أن تضطلع بدور بالتصويت على قرار وقف غير مشروط للحرب، لكن هناك يمكن لروسيا والصين أن يتدخلا بتعديلات على مشروع القرار تستجيب لشروط طهران في توفير ضمانات دولية لعدم استهدافها مرة أخرى ولحقها في امتلاك برنامج نووي سلمي، وهو ما يمكن أن يعيد الصراع إلى نقطة الأولى.

ثمة مخرج آخر، يمكن تصوره بقرار أمريكي بوقف الحرب من جانب واحد، وهو احتمال بعيد، لسببين اثنين، أن واشنطن تخشى استحقاقاته السياسية الداخلية، وبالتجديد تداعياته الانتخابية، فقد رأينا حجم الغموض في تصريحات دونالد ترامب، وكيف تحول خطابه حول الحرب إلى عراك انتخابي، يستحضر فيه ما يراه “كوارث” سياسية ارتكبها الديمقراطيون في تدبير ملفات أفغانستان والعراق والتفاوض مع إيران.

الأقرب إلى الواقع، أن يحصل الأمر بوساطة موثوقة إيرانيا، تشارك فيها الوساطات الخليجية التقليدية (عمان، قطر) لكن بدخول أطراف أخرى تحقق نوع من الأمان لمصالح إيران (الأتراك والروس). لكن من المؤكد أن الروس والأتراك سيدخلون الوساطة بملفاتهم الخاصة، فروسيا يمكن لها أن تتوسط لإنهاء الحرب، لكن عينها على ما تحققه في حسم الملف الأوكراني، وحل مشكلة الأمن مع الاتحاد الأوروبي، كما أن عين تركيا ستكون على حل المشاكل العالقة في سوريا، وبالتحديد الأجندة الإسرائيلية التي تستثمر ورقة الدروز، والأجندة الأمريكية باستعمال “قسد” لخلط الأوراق في سوريا.

في المحصلة، ستكون واشنطن أمام التحديات الثلاثة الآتية: الكسب الإيراني، والكسب الروسي، والكسب التركي. ومع أنها ستميل بدون شك للكفة غير الإيرانية، فإنها في المحصلة ستكون خاسرة استراتيجيا، كما تل أبيب، خاصة إن أجبرت عسكريا على ترك مواقعها في جنوب لبنان في الأيام القليلة القادمة.

القدس العربي
التعليقات (0)