فيما يلي ترتيب وتنظيم للنص نفسه دون تغيير حرف واحد منه، مع الحفاظ الكامل على الصياغة الأصلية، والاكتفاء فقط بإعادة التنسيق وترتيب الفقرات والعناوين:
عودة دونالد
ترامب إلى
البيت الأبيض لم تكن كسابقتها، وعهدته الثانية ستكون مختلفة تماما عن عهدته الأولى.
إن ما تبقى من عهدة دونالد ترامب مليء بالمفاجآت على المستوى الإقليمي والدولي، فترامب- حسب بعض القراءات السياسية والاستراتيجية – سيسابق الزمن ليستثمر سياسيا وبأقصى طاقته فيما بقي له في البيت الأبيض قبل أن يغادره في جانفي 2029 لأن الدستور الأمريكي لا يسمح بأكثر من عهدتين رئاسيتين متتابعتين أو متفرقتين، وعليه فإن طموحات دونالد ترامب التي يحلو لبعض المحللين السياسيين وصفها بغير هذا الوصف إذ يصفونها بالطموح السياسي الزائد على اللزوم الذي لا ينازعه فيه أحد من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية السابقين واللاحقين، فدونالد ترامب – حسب هؤلاء المحللين-
حالة خاصة ومكمن هذه الخصوصية في شخصيته الكاريزمية المشبعة بحب الذات والاعتداد بالنفس والاعتقاد بأنه لم يوجد ليكون زعيما عالميا وحسب بل وجد لمهمة كبيرة وهي زعامة العالم.
ما تبقى من عهدة دونالد ترامب الثانية – حسب بعض القراءات السياسية – مليء بالمفاجآت سواء داخل أو خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد ظهرت بالفعل منذ شهور بوادر كثيرة تؤكد صحة ما تشير إليه هذه القراءات التي تؤكد أن دونالد ترامب لن يغادر البيت الأبيض في جانفي 2029 حتى يحدث تحولا كبيرا في النظام العالمي وحتى يجعل من الولايات المتحدة الأمريكية بلدا آخر في انتقاله من الممارسة الديمقراطية السلسة إلى محاولة فرض هذه الديمقراطية بطرق مغايرة قد تتسم بممارسة القوة العسكرية المفرطة في بعض الأحيان وفرض سياسة الأمر الواقع.
ويذهب المعجبون بشخصية ترامب الكاريزمية إلى أن ما يصفه خصومه بأنه طموح سياسي زائد عن اللزوم أو مساس بالخط الديمقراطي للولايات المتحدة الأمريكية هو في حقيقة الأمر مسلك سياسي لا بد منه من أجل تعزيز مكانة الولايات المتحدة الأمريكية الإقليمية والدولية وجلب الاستثمارات الكبيرة التي لم تكن متاحة في عهد من سبقوه من الرؤساء الأمريكيين وآخرهم الرئيس جو بايدن، الذي لا يخفي دونالد ترامب في كثير من المناسبات والمؤتمرات الصحفية تهكمه من طريقته في إدارة الولايات المتحدة الأمريكية بل يتهمه بتعريض هذه الأخيرة للابتزاز المالي الذي يجعلها تدفع ثمن حروب لم تخضها ولا تعود عليها بأي فائدة تذكر.
يذهب بعض المحللين السياسيين بعيدا في تحليل شخصية دونالد ترامب ويتهمونه بالتهور السياسي الذي سيقحم الولايات المتحدة الأمريكية في صراعات إقليمية ودولية سيكون لها ما بعدها وستنتقل عدواها إلى من يخلفه في البيت الأبيض فترامب- حسبهم – تسبب في اهتزاز صورة الولايات المتحدة الأمريكية كراعية للديمقراطية وكآوية للمضطهدين السياسيين والمهاجرين والمهجرين على سواء.
ما يسميه هؤلاء المحللون السياسيون تهورا سياسيا هو كمال الحنكة وعين الحكمة في نظر مؤيدي دونالد ترامب الذين يصفونه بأنه الرئيس الأمريكي القادر على استعادة الدور الحيوي الإقليمي والدولي للولايات المتحدة الأمريكية وخاصة في ظل تنامي المنافسة الروسية والصينية وازدياد حدة المشاكسات السياسية بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي التي عبرت في أكثر من مناسبة عن امتعاضها وتذمرها ورفضها لكثير من تصريحات دونالد ترامب المثيرة للجدل وآخرها عزمه السيطرة على جزيرة
غرينلاند لحاجة الولايات المتحدة الأمريكية إليها كما قال.
بغض النظر عن الاختلاف بين الموالين والمناوئين لسياسة دونالد ترامب فإن هناك قضية لا خلاف حولها وهي أن دونالد ترامب رئيس مثير للجدل بكل المقاييس وأن هذه الصفة ستجعل منه شخصية قيادية متفردة في الولايات المتحدة الأمريكية منذ تأسيسها في الرابع من جويلية عام 1776م واعتماد دستورها ودخول الحكومة الفدرالية حيز التنفيذ في 1789م، من جورج واشنطن المؤسس إلى جون آدامز إلى توماس جيفرسون إلى جيمس ماديسون إلى جون كينيدي إلى رؤساء أمريكا المعاصرين:
رونالد ريغان وجورج بوش الأب، وبيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما وجو بايدن، هذا الأخير الذي فاز في الانتخابات الرئاسية لعام 2020 التي تعثر فيها دونالد ترامب الذي عاد وفاز بها في 2024 ليصبح الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية.
الطموح السياسي لدونالد ترامب: غرور أم علامة فارقة؟
أثارت هذه القضية اختلافا كبيرا وأسالت حبرا كثيرا بين المحللين السياسيين والإعلاميين، بين من يعد الطموح السياسي لدونالد ترامب غرورا زائدا عن اللزوم وأقرب ما يكون إلى التهور السياسي، الذي سيضر –حسبهم -بعلاقات الولايات المتحدة الأمريكية بمحيطها الإقليمي والدولي، ويستحضر المنتقدون لسياسة دونالد ترامب في هذا الصدد موقفه المتشدد والمتعلق الهجرة وما أحدثه من انتقادات واضطرابات اجتماعية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وآخرها الأحداث التي شهدتها لوس أنجلس وأماكن أخرى والتي لا تزال شرارتها مشتعلة رغم تراجع حدتها عما كانت عليه في بداياتها الأولى.
ويستحضر المنتقدون لسياسة دونالد ترامب أيضا ما قام به في
فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو من دون الحصول على موافقة الكونغرس الأمريكي، فهذه المواقف ومواقف أخرى، يراها المتقدون لسياسة دونالد ترامب مظهرا من مظاهر الغرور السياسي المشوب بالتهور الذي يسيئ إلى الصورة الديمقراطية للولايات المتحدة الأمريكية. وفي الطرف النقيض، يقف الموالون والمدافعون عن سياسة دونالد ترامب الذين يبررونها بالحاجة الماسة إليها في الوقت الراهن بعد حالة الاهتزاز غير المسبوقة والتي قد تؤدي إلى تراجع مكانتها السياسية كأكبر دولة في العالم وخاصة بعد انهيار المعسكر الشرقي وانقسام الاتحاد السوفييتي الذي أسفر عن دويلات ضعيفة غير قادرة على مواجهة أمريكا ومحدودة التأثير باستثناء روسيا والمنهكة هي الأخرى بسبب الحرب الأوكرانية وحالة التشنج بينها وبين الدول الأوروبية.
ويضاف إلى ذلك العداوة المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وخاصة بعد عزم دونالد ترامب السيطرة على جزيرة غرينلاند الذي اعتبرته الدانمارك مساسا بسيادتها الترابية واعتبره الاتحاد الأوروبي اعتداء كامل الأركان على دولة عضوة في الاتحاد الأوروبي…
ملف الهجرة: خطأ سياسي أم رؤية استراتيجية لدونالد ترامب؟
يرى المنتقدون لسياسة دونالد ترامب أن ملف الهجرة يعد أحد أكبر الأخطاء القاتلة التي ارتكبها دونالد ترامب والذي ينم عن أميته السياسية وعدم درايته الكافية بالتركيبة العرقية للولايات المتحدة الأمريكية، التي تحصي نسبة لا يستهان بها من المهاجرين من أصول مختلفة والذي شكل التنوع العرقي والثقافي الأكبر في العالم.
إن نسبة المهاجرين في الولايات المتحدة الأمريكية نسبة محترمة لها حسابها في الانتخابات ولها تأثيرها في إحداث التوازن الاجتماعي داخل المجتمع الأمريكي، وهو الأمر الذي كان ينبغي على إدارة دونالد ترامب أخذه في الحسبان قبل التفكير في إدحال أي تعديلات على قانون الهجرة في الولايات المتحدة الأمريكية، فنسبة المهاجرين في الولايات المتحدة الأمريكية تصل – وفقا لأحدث الإحصائيات لسنة 2023- إلى 14.3 % من إجمالي السكان ، وهي أعلى نسبة منذ أكثر من قرن، بالإضافة إلى أن المهاجرين يشكلون عنصرا أساسيا من القوى العاملة والاقتصاد الأمريكي حيث انضم أربع ملايين منهم لسوق العمل بين عامي 2022 و2023.
ما حدث في فنزويلا: بسبب المخدرات أم تحضير لصفقة نفطية؟
لا تهمنا هنا القراءات المتباينة لما أقدمت عليه إدارة دونالد ترامب في فنزويلا، فبعض هذه القراءات مبنية على خلفيات وقناعات سياسية ومواقف مسبقة من الولايات المتحدة الأمريكية، بين من يرى أن ما أقدمت عليه إدارة دونالد ترامب عملية ضرورية لحماية المجتمع الأمريكي وبين من يراها ذريعة مفتعلة للسيطرة على النفط الفنزويلي وكسر التحالف المعادي للولايات المتحدة الأمريكية الذي تعد فنزويلا في حكم الرئيس نيكولاس ما دورو قطبا أساسيا من أقطابه.
ما يدفع بواقعية هذا الموقف -حسب رأي المتمسكين به- هو تصريحات دونالد ترامب التي أعقبت حادثة اعتقال مادورو وتلميحه وتلويحه ببسط السيطرة على النفط الفنزويلي إنتاجا وتسويقا بما يسمح بخفض أسعار البترول إلى عتبة الخمسين دولارا أو أقل وهذا يشكل مكسبا مهما وغير مسبوق للولايات المتحدة الأمريكية.
إذا أردنا أن نقدم قراءة مقبولة على الأقل لما أقدمت عليه إدارة دونالد ترامب في فنزويلا، فإننا لا نجد بدا من الرجوع إلى تصريحات وكتابات سياسيين أمريكيين، فهم أعرف من غيرهم بخبايا هذه القضية وأقدر على تحليل خلفياتها وبيان مدى تأثيرها على الولايات المتحدة الأمريكية سلبا أو إيجابا.
يحضرني في هذا الصدد ما نقله موقع (الجزيرة نت) عن جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق الذي حذر في مقابلة حصرية مع مجلة نيوزويك من أن استراتيجية الرئيس دونالد ترامب الحالية تجاه فنزويلا قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتقوض أهدافه النفطية بدلا من تحقيقها. وأضاف بولتون – حسب نفس الموقع- بأن تركيز ترامب انصب بشكل أساسي على إبرام صفقات نفطية كبرى عقب القبض على نيكولاس مادورو في الثالث من جانفي الجاري.
هل يسعى ترامب لإصلاح النظام العالمي أم للانقلاب عليه؟
يذهب بعض المحللين السياسيين إلى أن طموحات دونالد ترامب لا تقف عند فنزويلا ومن يأتي عليه الدور مستقبلا، ولا تقف قبلها عند فرض رسوم جمركية على الواردات الصينية وغيرها، بل تمتد إلى ما هو أبعد وربما أخطر وهو محاولة دونالد ترامب فرض سياسته على كل الأصعدة بديلا للنظام العالمي وفرض منطقه المؤسساتي الاقتصادي والمالي والاجتماعي والإنساني بديلا للأمم المتحدة ولمؤسساتها، وليس أدل على ذلك – كما يرى المحللون السياسيون-
من الإعلان الذي وقعه دونالد ترامب والقاضي بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من 66 منظمة دولية، 35 منظمة غير تابعة للأمم المتحدة و31 كيانا تابعا لها، وبرر دونالد ترامب ذلك بقوله إن هذه الكيانات تعمل بما يتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية.
إن الأمم المتحدة جزء لا يتجزأ من النظام العالمي وما أقدم عليه دونالد ترامب يعد- في نظر المحللين السياسيين- ضربة موجعة وربما مزلزلة للنظام العالمي والتي قد تؤدي إلى زواله أو حدوث شرخ كبير فيه على أقل تقدير.
دونالد ترامب وسر الاهتمام بجزيرة غرينلاند:
تساءل كثير من المحللين السياسيين والاقتصاديين عن سر عزم دونالد ترامب السيطرة على جزيرة غرينلاند الدانماركية ومضيه قدما في هذا الموضوع رغم ما يسببه من تشنجات تؤثر بصورة غير مسبوقة على علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالدانمارك باعتبارها الدولة الأوروبية المستهدفة بالدرجة الأولى، كما تؤثر أيضا على علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالاتحاد الأوروبي المتدخل في الموضوع بناء على اتفاقية الدفاع المشترك المنصوص عليها في ميثاق الاتحاد الأوروبي والتي تشمل الدفاع عن كل الأعضاء المشكلين لهذا الاتحاد في حالة حدوث أي اعتداء خارجي.
إن أغلب التحليلات التي قرأتها في المواقع الإخبارية تشير إلى أن سر اهتمام دونالد ترامب بجزيرة غرينلاند يكمن في الموقع الاستراتيجي لهذه الجزيرة والثروات الطبيعية التي تتوفر عليها، كما يكمن أيضا في كونها قاعدة أمريكية منذ الحرب الباردة بما يفسر على أنه استرجاع للجزيرة وليس غزوا لها – كما يذكر الموالون لسياسة دونالد ترامب-
كما شكل الوضع القانوني لجزيرة غرينلاند التي تتمتع بالحكم الذاتي عاملا مشجعا لدونالد ترامب في سعيه للسيطرة على هذه الجزيرة من خلال تكثيف الاتصالات بحكومة الجزيرة واقتراح صيغ للتفاهم من غير الدخول في مفاوضات مع الدانمارك الرافضة للعرض الأمريكي جملة وتفصيلا.
الشروق الجزائرية