في الكاريكاتور الأول يظهر
نتنياهو هامسا في أذن
ترامب: «قل لهم إن الإله قد وعدك بأرض
غرينلاند منذ ثلاثة آلاف سنة»! أما الكاريكاتور الثاني فيصور سيناريو ما سوف يحدث في اليوم الثاني من الاغتصاب الأمريكي لجزيرة غرينلاند (بحكم أن فرضية الاحتلال لم تعد مستبعدة): دورية من شرطة وكالة الهجرة الأمريكية السيئة الصيت يستوقفون سيارة تقودها امرأة تبدو عليها ملامح أهالي الجزيرة الأصلاء، «الإنويت»، ويسائلونها: هل أنت مواطنة أمريكية؟!
رغم عبثية الحال وسماجة السؤال، فإن هذه الصورة الساخرة ترسم احتمالا واقعيا جدا إذا ما مضينا بالتفكير العنصري الاستعلائي المعشش في ذهن الإدارة الترامبية إلى نهاياته المنطقية، حيث إنها ترى من حقها، بل من واجبها، أن «تطهر» كل الأراضي الأمريكية من جميع الأفراد الذين ليسوا من البيض ذوي الأصول الأوروبية، حتى لو كان هؤلاء هم وآباؤهم وأجدادهم يحملون الجنسية الأمريكية. وما ترمي إليه الإدارة، حسب تصريحات وزارة الداخلية وبياناتها وتغريداتها التي لا لبس فيها، هو أن ترجع كل هؤلاء إلى بلدان «العالم الثالث» التي أتى منها أسلافهم، وبذلك تعود الولايات المتحدة سيرتَها الأولى (الوهمية التي لم يكن لها، بالطبع، أي وجود في التاريخ القريب أو البعيد) عالما أوّلَ خالصا، وبلدا أبيض محضا، وجنة صافية نقية من أدنى شائبة ديموغرافية.
ومعروف، من تاريخ القرن العشرين، أن خرافة النقاء العرقي هذه كانت أول الأسس التي انبنت عليها أوهام الإيديولوجيات الفاشية. وبما أن مشروع التجديد (أو التصحيح) القومي الترامبي هذا أسطوري النطاق ملحمي الأبعاد، فقد قدّر المراقبون أن ما تريده الإدارة، بجدّ لا هزل فيه، إنما هو تهجير حوالي مائة مليون شخص، غالبيتهم من الأمريكيين! فإذا كانت الإدارة لا ترى أي إشكال في تهجير أكثر من ربع سكان البلاد، علما أن المهاجرين الأجانب لا يمثلون إلا نسبة محدودة بينهم، فما الذي سوف يمنعها من إرادة تطهير غرينلاند أيضا من أهاليها الأصلاء، باعتبار أن الجزيرة ستصير أرضا أمريكية وأن الأهالي سوف يقفون حجر عثرة أمام مسيرة التطهير الإثني؟
معروف، من تاريخ القرن العشرين، أن خرافة النقاء العرقي هذه كانت أول الأسس التي انبنت عليها أوهام الإيديولوجيات الفاشية
أما عن همسات نتنياهو لترامب، فلا مفارقة فيها، على شذوذها ودجلها، ولا خروج على تقاليد القوم، بل هي منسجمة تمام الانسجام مع «ترسيمة الشرعية التاريخية» التي قامت عليها كل من الدولتين الأمريكية والإسرائيلية: انتزاع الأرض غصبا وإبادة أهالي البلاد الأصلاء بزعم أن الوعد الإلهي قد منح إحداهما لصهاينة النصرانية والأخرى لصهاينة اليهودية. والانطباع السائد أن الرغبة في ضم جزيرة غرينلاند وكندا وبنما، أي التحكم في كامل المنطقة الممتدة من القطب الشمالي حتى شمال أمريكا اللاتينية، هي مجرد نزوة من نزوات ترامب النزقة، إلا أن الحقيقة أن هذه الرغبة تندرج في سياق مسعى استراتيجي أمريكي قديم نسبيا (ولو أن من شبه الأكيد أن ترامب لا علم له به).
ذلك أن فترة ما بين الحربين العالميتين قد شهدت في الولايات المتحدة ظهور حركة، تسمى «الحركة التكنوقراطية»، كانت غايتها توحيد كامل أمريكا الشمالية انطلاقا من مناهضتها لطبقة الساسة الذين تسمح لهم الديمقراطية الانتخابية بالوصول للحكم رغم افتقارهم للكفاءة. ولهذا نادى مؤسسو الحركة، بزعامة المهندس هاورد سكوت، بضرورة تنمية مجتمع جديد يقوده الخبراء التقنيون، مثل المهندسين وباحثي العلوم الطبيعية، لأنهم هم فقط القادرون (في رأي مؤسسي الحركة) على تحقيق الازدهار بأنجع الوسائل.
هذا هو الوجه الأول للحركة التكنوقراطية: لا بد من إسناد السلطة إلى الكفاءة التقنية، بحيث لا تُتخذ القرارات الاجتماعية ولا تُرسم السياسات العامة بناء على مواقف إيديولوجية، أو ردود فعل عاطفية، أو خدمة لأغراض شخصية (مثلما هو الأمر في أنظمة التسلط والفساد) بل بناء على معايير موضوعية قابلة للقيْس والتحديد الكمي، وتلبية لمنطق يثمن الفعالية والنجاعة. ومما زعمته الحركة أن «هذه هي المرة الأولى في التاريخ البشري التي ستعالَج فيها مسألة الإنتاج والتوزيع والازدهار باعتبارها مسألة علم وتقنية وهندسة اجتماعية، بحيث تنتفي أي حاجة إلى السياسة والسياسيين».
أما الوجه الثاني، فهو إنشاء إقليم قاريّ شاسع يتجاوز أمريكا الشمالية. فقد وزعت الحركة عام 1938 منشورا وخريطة يتبين منها أن هذا الإقليم يمتد شمالا حتى القطب الشمالي، بحيث يشمل جزيرة غرينلاند، وجنوبا حتى بنما بحيث يتاخم كلا من فنزويلا وكولومبيا، أي البلدين اللذين يتعرضان الآن للابتزاز الترامبي!
القدس العربي