ينسب لعالم الذرة الأمريكي الشهير روبرت أوبنهايمر أنه قال عام 1945 إن إنتاج القنابل الذرية ليس صعبا، وإنها ستنتشر على نطاق العالم كله “إذا أراد الناس ذلك” (ولا شك أن ما قصده بالناس هو الساسة والحكام، أي أصحاب القرار السيادي، وليس العلماء والباحثين أو سائر عباد الله). ولهذا كان الرئيس جون كندي يتوقع أوائل الستينيات أن عدد الدول المزودة بالأسلحة
النووية ربما لن يقل، بحلول عام 1975، عن عشرين دولة. ولهذا أيضا يرى المراقبون من باحثي العلاقات الدولية أنه من قبيل المعجزة حقا ألاّ يكون في العالم اليوم إلا قلة قليلة من الدول النووية. فالمعروف أن القائمة تشمل تسع دول فقط: فرنسا وبريطانيا والصين والهند وإسرائيل وكوريا الشمالية وباكستان، إضافة إلى العملاقين النوويين:
الولايات المتحدة وروسيا.
وكان يمكن لأوكرانيا أن تظل على القائمة فتبقى هي القوة النووية الثالثة عالميا، ولكن الرئيس كلنتون تمكن من إقناعها عام 1994، في إطار التفاوض حول ما يعرف بمذكرة بودابست، بالسماح بنقل الترسانة النووية الضخمة (ما لا يقل عن خمسة آلاف من الرؤوس النووية!) التي ورثتها من العهد السوفييتي إلى الأراضي الروسية مقابل تعهدات قدمتها لها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا بضمان أمنها. وقد أعرب كلنتون يوم 4 أبريل 2023 عن الندم على حمل أوكرانيا على التخلي عن رؤوسها النووية، التي كانت تمثل ثلث الترسانة السوفييتية، وقال إن الأوكرانيين كانوا متخوفين (قبل أن يقنعهم) من عواقب التخلي عن الأسلحة النووية لأنهم كانوا على يقين أنها هي درع حمايتهم الوحيدة من الأطماع الروسية.
ولا مراء أن هذا صحيح، إذ ما كان بوتين ليقدم على غزو أوكرانيا لو أنها بقيت دولة نووية. فالسلاح النووي هو سلاح الردع الأقوى، وامتلاكه، ولو بكميات قليلة، هو تحصين نهائي للأراضي الوطنية ضد أي هجوم خارجي. وتبقى كوريا الشمالية، على شذوذ سياساتها وعلى غرابة أطوار قادتها، أسطع مثال في هذا المجال.
على أن السبب الأهم لعدم تزايد عدد الدول النووية طيلة هذه العقود هو ما يعرف بالمظلة النووية الأمريكية، أي تعهد واشنطن بالدفاع عن حلفائها إذا تعرض أي منهم لهجوم نووي. إذ بفضل هذه الاستراتيجية امتنع الحلفاء، طيلة ثمانين سنة، عن مجرد التفكير في بناء قدرات نووية. ولكن ذلك العهد المديد قد انقضى، لسببين: الأول هو انغلاق المظلة الأمريكية منذ عودة ترامب للحكم وتنكره لكل التعهدات الأمريكية القديمة. أما السبب الآخر، وهو الأخطر، فهو رفضه تجديد معاهدة ستارت للحد من انتشار الأسلحة الاستراتيجية رغم أن بوتين عرض تمديد الالتزام بها، ما يعني أن سياسة التحكم في التسلح النووي التي توافقت عليها الولايات المتحدة وروسيا منذ عام 1972 قد انتقضت ليحل بذلك عهد جديد من سباق التسلح الذي يخشى أن يتزايد عدد المتسابقين فيه تزايدا بالغا هو بالضبط نقيض “عدم الانتشار” الذي تعهده النظام الدولي طويلا. ومن أحدث النذر أن بولندا بدأت تعلن رغبتها في امتلاك السلاح النووي. بل إن السويد (من يصدق؟!) أخذت تنادي بضرورة أن تعمل كل الدول الإسكندنافية على بناء ترسانتها النووية!
على أساس هذه التطورات الخطيرة، أنذرت “نشرة علماء الذرة” السنوية التي دأبت منذ عقود على تقدير مدى اقتراب
البشرية من الهلاك أن عقارب “ساعة يوم الحساب” قد بلغت الآن منتصف الليل إلا 85 ثانية (!) علما أن منتصف الليل هو وقت الدمار، وأن التوقيت على هذه الساعة المجازية كان يشير العام الماضي إلى منتصف الليل إلا 89 ثانية. أما عام 1947 (لما كان فريق النشرة يضم أمثال أينشتاين وأوبنهايمر) فقد كان التوقيت يبعد عن منتصف الليل بسبع دقائق كاملة. وقد ظلت عقارب الساعة تزيد اقترابا من منتصف الليل كلما تزايدت توترات الحرب الباردة. ولكنها تراجعت في الستينيات لما أبدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي رغبة في التعاون. أما أبعد ما كان التوقيت عن ساعة الحساب (منتصف الليل إلا 17 دقيقة!) فعند توقيعهما اتفاقية كبرى للحد من التسلح قبيل تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991.
على أن أسباب الاقتراب من منتصف الليل لا تنحصر في السباق النووي، بل إنها تشمل تقصير الحكومات في معالجة كارثة التغير المناخي، وبروز تكنولوجيات خطِرة مثل الذكاء الاصطناعي، وانتشار وباء حكم الاستبداد شرقا وغربا.
القدس العربي