البحث العلمي: أمريكا تتأخر والصين تتقدم

مالك التريكي
جيتي
جيتي
شارك الخبر
أكيد أن في الثقافة الصينية العريقة مثلا يشبه ما تقوله العرب عن الجاهل الذي يفعل بنفسه ما يفعل العدو بعدوه. فقد جاء في الأنباء، قبيل انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، أن القيادة الصينية لم تكن ترغب في فوز كامالا هاريس. والسبب أن القيادة الصينية ترى أن ترامب هو الرئيس الأمريكي المثالي (“ولا في الأحلام”) من وجهة نظر خدمة المصلحة القومية الصينية. وذهبت بعض المصادر الصحافية الغربية إلى أن لدى القيادة الصينية اقتناعا بأن ترامب المتزلج على أمواج شعار “الماغا” (استعادة مجد أمريكا) لن يحقق في حقيقة الأمر إلا عكس ما يصبو إليه.

ولا يعني ذلك أن القيادة الصينية ترى أن ترامب سيكون سببا في انحدار أمريكا، بل إنها ترجح أنه سيكون عاملا حاسما في تعجيل مسار هذا الانحدار. أي أن الصين واثقة أن دورة التاريخ العالمي قد استدارت، وأن الولايات المتحدة قد انجرفت منذ مدة في مسار انحدار حضاري شامل لا نجاة منه. إلا أن رعونة تصرفات ترامب سوف تعجل وتيرة هذا الانحدار، فيكون رئيس الولايات المتحدة بذلك أخطر على بلاده وأشأم على مصيرها من الصين ذاتها! ويبدو أن لسان حال الصين يقول: إذا كان هذا الجاهل قد ناصبنا العداء فلا حاجة بنا لبذل أي جهد لمواجهته، بل حسْبُنا أن ندعه على هواه وسيكفينا هو بنفسه مؤونة وقفه عند حده لأن عوامل الانحطاط قد أخذت تعتمل في كيان بلاده وتفعل فعلها المشهود الذي سيؤدي إلى انفجارها داخليا ودمارها ذاتيا.

وقد تعددت العلامات التي تثبت صحة توقعات القيادة الصينية. حيث إن الإدارة الترامبية، التي لا يكاد يكون فيها ولو شخص واحد مناسب في المنصب المناسب (ولعل حالة وزير الدفاع ووزيرة الأمن الداخلي ومدير مكتب التحقيقات الفدرالي هي من أكثر الحالات افتضاحا)، قد تنكرت لكل المبادئ الدستورية والمُثُل الليبرالية التي قامت على أساسها الجمهورية الأمريكية، وانخرطت في حملة عدوانية لا هوادة فيها ضد المؤسسات المدنية الضامنة لحيوية المجتمع ومناعته، مثل الجامعات وشركات المحاماة ووسائل الإعلام وحتى الجمعيات الخيرية! وليس ما وقع في شيكاغو ومينيابوليس، على سبيل المثال، إلا أحدث دليل على أن الولايات المتحدة تقف على شفا هاوية حرب أهلية سبق لبعض الروائيين الأمريكيين أن تنبؤوا بوقوعها. وهذا ما قصده الصحافي تشارلز هومانس عندما كتب أن ما شاهده في مينيابوليس هو أن الديستوبيا المستقبلية المظلمة (التي تنبأ بها الروائيون) قد صارت أمرا واقعا!
لعل أظهر العلامات على تسارع انحدار الولايات المتحدة هي تلك التي أتى بها الترتيب العالمي السنوي الجديد للجامعات

ولعل أظهر العلامات على تسارع انحدار الولايات المتحدة هي تلك التي أتى بها الترتيب العالمي السنوي الجديد للجامعات. إذ إن جامعة هارفارد، التي لطالما تبوأت الصدارة عالميا، قد تدنت إلى المرتبة الثالثة في الترتيب الجديد الذي يعيّر الجامعات بمعيار حجم النشر العلمي في الدوريات الأكاديمية. وقد كان المعتاد في العقود الأخيرة أن تضم قائمة الجامعات العشر الأُوَل ما لا يقل عن سبع جامعات أمريكية تتصدرها هارفارد. ولم يكن في وسع الجامعات الصينية، إلا جامعة جيجيانغ، أن تكون ضمن الخمس والعشرين المتقدمة.

أما في الترتيب الجديد، الذي نشرته جامعة لايدن الهولندية، فإن قائمة العشر الأُوَل تضم ثماني جامعات صينية تتقدمها جيجيانغ! لهذا قال ممثل جمعية التايمز البريطانية للتعليم العالي فيل باتي إن تحولا عظيما قد أخذ يحدث: إنه بروز نظام عالمي جديد في مجال التفوق في التعليم والبحث الجامعي. وأضاف أن الاحتمال قوي بأن يستمر هذا الاتجاه ويتفاقم الانحدار، ولكنه نبه أنه يستخدم كلمة ‘انحدار’ بكل حذر، ذلك أن الأمر لا يتعلق بإمكان البرهنة على أن الجامعات الأمريكية أصبحت أسوأ، وإنما هي المنافسة العالمية قد اشتدت منذ أن أخذت الأمم الأخرى تتقدم بوتيرة أسرع.

وقد حدث هذا التحول، أو الانقلاب، بينما تستمر إدارة ترامب في خفض ميزانيات البحث العلمي للجامعات الأمريكية التي تعتمد اعتمادا بالغا على الحكومة الفدرالية في مجال تمويل المشروعات العلمية. صحيح أن سياسات ترامب ليست هي سبب الانحدار النسبي للجامعات الأمريكية، ولكنها كفيلة بأن تعجل هذا الانحدار الذي بدأ منذ سنوات. وبالطبع، لن يتوقف الأمر عند هذا الحد. فأهل التعليم يرون أن الخطر الناجم عن هذا التحول لا يهدد الجامعات الأمريكية فحسب، بل إنه يهدد الأمة الأمريكية بأسرها.

القدس العربي
التعليقات (0)