الإدارة الأمريكية تسقط في امتحان المكيافيلية

مالك التريكي
تروث سوشيال
تروث سوشيال
شارك الخبر
في أحد المسلسلات المصرية القديمة تسأل إحداهن الرجل الخمسيني ذا الوظيفة المحترمة إن كان متزوجا فيقول: لا. تسأله في استغراب عن سبب بقائه كل هذا الزمن بلا زواج، فيبدو عليه الارتباك كأن السؤال مفاجئ ثم يقول: آه… لقد نسيت! صيغة ملتبسة يحتمل أن يُفهم منها أن الرجل نسي سبب عدم زواجه، أو ربما هو نسي أن يتزوج أصلا، وللمشاهد أن يختار فهمها كما يريد.

بالمثل، كان يجدر بترامب، لو كان عنده قليل من الاحترام لعقول سكان هذه القرية الكونية، أن يجيب على سؤال سبب شن الحرب على إيران: آه…. لقد نسيت! فذلك أكرم وأصوب من تمرينات التكاذب الفج المستمرة منذ أيام. ذلك أن الإجابة على سؤال سبب الحرب على إيران قد ظلت تختلف بحسب اختلاف من يُطرح عليه السؤال: وزير الخارجية ماركو روبيو ذكر سببا، وذكر وزير الحرب بيت هيغسيث سببا آخر بينما لفق ترامب أسبابا فيها من هذا وذاك وزيادة. كان ذلك في الأول اليوم للحرب، أما في الأيام اللاحقة فقد تغيرت القصة مجددا وتبدلت الأسباب.

والبادي أن ترامب قرر بدء الحرب ثم فكر في السبب، أو ربما هو اضطر للتفكير في السبب مجرد اضطرار لأن الصحافيين سألوه. أما نتنياهو فهو بالسبب الحقيقي عليم لأنه هو الذي حدده وبقي مهووسا به طيلة 47 سنة وعمل على استدراج الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى الأخذ به (تماما كما عمل منذ عام 1996، مع ريتشارد بيرل وآخرين، على استدراج الإدارات الأمريكية لتدمير العراق). فنتنياهو هو الذي قرر شن الحرب، واضعا الولايات المتحدة أمام الأمر المقضيّ، كما اعترف روبيو بذلك (قبل أن يضطر لتربيع الدوائر واختلاق قصة أخرى). وتلك هي الحقيقة الموثقة، فقد ثبت الآن أن نتنياهو أصدر الأمر للقيادة العسكرية أواخر العام الماضي ببدء الإعداد لهجوم إسرائيلي منفرد على إيران يكون موعد تنفيذه ما بين أبريل ويونيو من هذا العام. وعبثا يحاول ترامب نفي صحة المعلومات بأن إسرائيل هي التي اتخذت قرار الحرب وأنه لم يجد بدا من أن يتبعها.

ومعروف أن إسرائيل تخطط للحرب على إيران منذ زمن بعيد، ولكن ترامب فوت عليها الفرصة في يونيو الماضي لما أنهى الحملة بعد اثني عشر يوما (فقط)، فلم يتح للمخططات الإسرائيلية أن تأخذ مداها. ولهذا فالحرب الحالية هي استكمال، من الجانب الإسرائيلي، لما بدأ في يونيو مجرد بداية. وقد تكون هذه المرة الأولى في التاريخ، حسبما نبه الكاتب مارتن لغرو، التي ينقلب فيها الفكر الاستراتيجي رأسا على عقب فتكون مجرد فرصة، أي اجتماع قادة النظام الإيراني في مكان واحد، هي التي تحكم قرار شن العمليات العسكرية، بل وتحدد حتى معنى الحرب وغاياتها. فقد شُنت الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران على أساس المعلومات التي تأكدت لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بانعقاد اجتماع في شارع باستور في قلب طهران بين أكبر قادة النظام الإيراني.

ولكن المدهش أن العمليات العسكرية لا تستند على أي خطة سياسية مدروسة أو استراتيجية معقولة. وهذا خبط عشوائي لا يرقى إلى المستوى المنتظر من قادة الدول، بل إنه مسلك غير مقبول حتى بمعايير الانتهازية المكيافيلية! ذلك أن مكيافيلي ينوه في كتاب “الأمير” بالقادة الذين يعرفون كيف ينتهزون الفرص التي يتيحها لهم التاريخ لكي يمارسوا فن تشكيل الأحداث لا باستخدام القوة فحسب، بل وباستخدام الذكاء السياسي الجامع بين المكر والغايات المدروسة (الحسابات المحسوبة). ولهذا فالتوبيخ الذي لا شك أن مكيافيلي كان سيوجهه لترامب، في رأي لغرو، هو أنه ظن أن الفرصة التي أتاحتها له معمعة الأحداث تعفيه من التفكير والتخطيط وتقدير العواقب.

ونتيجة سقوط ترامب هذا السقوط المدرسي في امتحان المكيافيلية (رغم أن النجاح فيه لا يستدعي، من سائر البشر، أي عناء) أن الغايات التي ستفرض نفسها عليه هي الغايات الإسرائيلية المدروسة المحسوبة، أي تدمير إيران تدميرا كليا وإزالة آخر عقبة على طريق التفرد الإسرائيلي بالهيمنة على كامل الشرق الأدنى تمهيدا لتحقيق الحلم الأسطوري بإقامة “إسرائيل الكبرى”. ولكن هذا لا يهم ترامب ولا يعنيه، كما لا يعنيه ما قاله عضو الكونغرس روبن غالغو بشأن هذه “الحرب الغبية” التي تثبت “عدم استخلاص عِبَر عام 2003”: أي دروس حرب العدوان المجاني على العراق.

القدس العربي
التعليقات (0)