نصيحة مجانية لثرثار القرية الكونية

مالك التريكي
جيتي
جيتي
شارك الخبر
«التبادُليّة فضيلة لم يَحدُث لترامب أنْ فهِمَها أو مارسها أبدا». بهذه الجملة أوجز المفكر السياسي الأمريكي المعروف فرانسيس فوكوياما الحقيقة الذهنية المتمثلة في عدم قدرة «رئيس الصدفة» على فهم القاعدة المبدئية المتمثلة في أن الاستقرار ضرورة لا غنى عنها للسياسة الدولية، وأنه لا إمكان للاستقرار إلا بقدر معقول من الثقة المتبادلة بين جميع الأطراف، وأنه لا إمكان للثقة إلا بشروط أولها المعاملة بالمثل. إلا أن عجز الرجل عن فهم البسائط التي لا تستعصي على أفهام الأطفال قد جعل العالم يفقد الثقة في الولايات المتحدة، فضلا عن أن الأمريكيين قد فقدوا هم أيضا الثقة في أنفسهم.

واضح أن حكم فوكوياما هذا يتعلق بقرارات ترامب العشوائية ومغامراته الطائشة و»حروبه الاختيارية» التي أعقبت حروبه التجارية. على أني أرى أن صواب هذا الحكم لا يقتصر على أفعال الرجل، بل إنه يشمل أقواله أيضا. ولا أقصد بأقواله ثرثرته الدائمة تطبيقا لأحد المبادئ التي ذكرنا الأسبوع الماضي أنه تعلمها من محامي عصابات المافيا روي كوهن، أي «استخدم الإعلام سلاحا واملأ الساحة الإعلامية فرقعة وضجيجا». ولا أقصد أكاذيبه الفاقعة وأباطيله الفاضحة التي يعلنها بثقة مطلقة تشيع الانطباع بأنه يصدق نفسه (والتي صارت الصحف والمواقع الجادة تسارع، فور انتهاء خطبه أو تصريحاته، إلى تبيان بطلانها وتفنيدها بالحقائق والأرقام). كما لا أقصد مدائح الفخر والتمجيد التي يمتدح بها ترامب نفسه كل يوم تقريبا، تلك المدائح التي «تجعل وجه نرجس ذاته» (نارسيسوس الأسطورة اليونانية المتيّم بصورته حبا) «يحمر خجلا»، كما يقول التعبير الإنكليزي في ذم من يَشِطّ في الإعجاب بشخصه إلى حد إحراج مبتدع النرجسية.

بل إن الأقوال التي أقصدها هي عبارات التهكم والتحقير التي يتلفظ بها ترامب ضد قادة دول العالم، وخاصة منها الدول الأوروبية، والتي تبلغ في بعض الحالات حد الشتيمة والمسبّة. فالذي حدث طيلة ولايته الأولى وعام كامل من ولايته الراهنة أن ترامب لم يتعرض لأي أثر من آثار «التبادلية» التي ذكرها فوكوياما، أي أن أيا من هؤلاء القادة ما كان ليجرؤ على الرد عليه ومعاملته بالمثل. ذلك أن الموقف الذي توخوه جميعهم هو توقي شره في إطار سياسة المهادنة أو الاسترضاء. وقد مضى بعضهم في هذه اللعبة إلى حد استهلال أي لقاء معه، أو حديث عنه، بالثناء عليه والتعبير عن الإعجاب به وبخصاله القيادية الفذة، ظنا (صائبا أحيانا) أن تلك هي الحيلة الكفيلة بتليين مواقفه وتحييد طباعه العدوانية أو الحد من تقلباته الزئبقية. إلا أن سياسة المهادنة هذه قد بلغت حدودها واستنفدت طاقتها ولم تعد تجدي فتيلا، خصوصا أن ترامب قد مضى في الفترة الأخيرة إلى مدى لا سابق له في التحامل والتطاول، حتى أن بابا الفاتيكان ذاته لم يسلم من سفاهاته وبذاءاته.
الاستقرار ضرورة لا غنى عنها للسياسة الدولية، وأنه لا إمكان للاستقرار إلا بقدر معقول من الثقة المتبادلة بين جميع الأطراف

وقد كان الرئيس الفرنسي أول من خرج على سياسة المهادنة ودشن سياسة المعاملة بالمثل. قال إنه لن يرد على كلام ترامب عن حياته الزوجية لأنه «كلام ليس في المستوى، ولا يليق». أما الأهم فهو قوله إن قيمة المنظمات والمعاهدات الدولية، مثل الناتو، إنما تتجلى في عدم الكلام عنها، لأنها مُنبنية على الثقة، أما التعليق عليها كل يوم فإنه يفرغها من جوهرها: «ينبغي أن نتحلى بالجد، وإذا كان المرء جادا فإنه لا يقول كل يوم نقيض ما قاله بالأمس». ولأن ماكرون يعلم أن انتقاد ترامب بأنه متناقض لا يوجع بما فيه الكفاية، فإنه عيّره بالأسوأ والأحطّ، أي بكثرة الثرثرة، حيث ختم ناصحا: «ربما يَحسُنُ بالمرء ألا يتكلم كل يوم».

وإذا كان كير ستارمر، الذي تحامل عليه ترامب مرارا، لا يزال يلتزم صمتا مترفعا يناسب هدوء الطبع الإنكليزي الكلاسيكي، فإن رئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن لم يفوت فرصة الدفاع عنه في البيت الأبيض والتأكيد لترامب بأنه سياسي جاد وموثوق. ولما كرر ترامب قوله الساخر بأن ستارمر «ليس من طراز ونستون تشرشل»، قال له مارتن: لقد كان تشرشل من كبار قادة الحرب العالمية الثانية، ولكنّ لنا منه في إيرلندا موقفا آخر.

فهل فهم ترامب هذه الإحالة التاريخية؟ استبعدت لوموند أن يكون فهم، واحتفت بتأكيد مارتن أن أوروبا بلاد يطيب العيش فيها، قائلة إن الإيرلندي قد لقن الأمريكي درسا أوروبيا.

القدس العربي


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)