لا يوجد مشهد أكثر دلالةً على التخبط الأميركي في الحرب على
إيران من إعلان الرئيس
ترامب فرض الحصار البحري عليها، وهو الذي كان صرخ مستجدياً قبل وقف إطلاق النار بأيام «افتحوا المضيق، افتحوا المضيق، أيها الملاعين»، مهدداً بتدمير «الحضارة الإيرانية» وإعادة البلاد «للعصر الحجري».
كيف يمكن فهم فرض الحصار البحري على إيران، والذي سيضاعف الأزمة العالمية الاقتصادية، بعد أن كان الهدف فتح مضيق هرمز لمنع هذه الأزمة من التفاقم؟ ألا يؤكد ذلك ومعه التغير المُستمر للأهداف المعلنة لهذه الحرب حالة الغرق الأميركي في المُستنقع الإيراني؟
بدأت الحرب بنية إسقاط النظام الإيراني، أو هكذا أوهم نتنياهو ترامب: نقتل «رأس الهرم» في إيران ومعه كامل القيادة السياسية والعسكرية، ونوجه معها ضربة قاصمة لأجهزة الأمن الداخلي الإيرانية والحرس الثوري، وحينها تخرج الناس للشوارع وتستولي على أجهزة الدولة، ونُعلن الانتصار. انتصار جديد يضاف لانتصار فنزويلا السريع.
الخطة جرى تنفيذها كما خُطِطَ لها تماماً، لكن الإيرانيين الشرفاء، موالاة ومعارضة، لم يخرجوا لإسقاط نظامهم ولكن لدعمه في وجه عصابة استهدفت قيادات بلادهم ومنشآتها العسكرية والمدنية.
وعندما فشلت الخطة ألف، انتقلوا للخطة «ب»، وهي لا زالت إسقاط النظام، لكن هذه المرة، من خلال تسليح «جماعات كردية إيرانية» لإثارة الفوضى في الداخل الإيراني. لكن هذه الخطة أيضا فشلت باعتراف ترامب نفسه، فالأكراد حصلوا على السلاح لكنهم لم يرغبوا في التورط بمواجهة الجيش الإيراني، خصوصاً وان الأخير هاجم المناطق الكردية في كردستان العراق.
بعد هذا الفشل، أعلن ترامب أول انتصار له، وهو أنه غيّر فعلياً النظام في إيران بدليل أنه لم يعد يوجد قادة لهذا النظام من الصف الأول والثاني، وأن القادة اليوم هم جميعهم جُدُد وأكثر عقلانية ممن سبقهم. هكذا وبكل بساطة رغم أن مواقف هؤلاء القادة لا تختلف عن مواقف من سبقهم، بل إنهم فعلاً أكثر تشدداً بدليل رفضهم فتح مضيق هرمز قبل تكريس سيطرتهم عليه وتحويله الى مصدر للدخل لبلدهم.
ثم ألحق ترامب انتصاراته بانتصارات أُخرى أعلن عنها عشرات المرات: تارة بالقول إنه دمر المنشآت النووية الإيرانية، وتارة أخرى بإعلانه تدمير برنامج الصواريخ الإيرانية، ولاحقاً بتدميره للقوات البحرية الإيرانية، ومن ثم بأنه أعاد إيران الى عقدين من الزمان الى الوراء. وهو ما يجعلنا نتساءل: إذا كان الرجل قد انتصر فما حاجته للتفاوض مع إيران؟
الحقيقة أن إسرائيل التي فشلت طوال عقدين من الزمان في توريط رؤساء أميركا إعلان الحرب على إيران، قد نجحت أخيراً في ذلك: ربما لعبوا على تضخيم «الأنا» الملازمة لترامب بإقناعه أنه «رئيس خارق» يُمكنه القيام بما لم يستطع أي رئيس أميركي القيام به.
وربما هنالك ما يعرفونه عن الرئيس ونجهله نحن، لكن ما هو مؤكد أن هذا الرئيس يختلف عن كل من سبقوه، فقد أحاط نفسه بدائرة سياسية، ترى أمن إسرائيل وتفوقها أولوية تتقدم على مصالح أميركا نفسها في المنطقة، من وزير الحرب الى وزير الخارجية، الى الثنائي كوشنر وويتكوف. حتى نائب الرئيس جي دي فانس الذي رفض الحرب، كما يقال، يُقدم تقريراً يومياً لنتنياهو عن المفاوضات مع إيران، وفق ادعاء الأخير، وهو شيء لا تقوم به دولة من العالم الثالث.
وللدقة فإن تجليات المأزق الأميركي في هذه الحرب يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولاً: فشل إدارة ترامب في تحقيق أهدافها، واليوم يختصر ترامب هذه الأهداف في مسألتين: الملف الإيراني النووي، وفتح مضيق هرمز. لم يعد هنالك حديث عن تغير النظام، عن برنامج إيران الصاروخي أو عن علاقاتها الإقليمية مع حلفائها. والمضحك هنا أن الملف النووي كان موضوع المفاوضات قبل الحرب، وكانت إيران قد أعلنت مراراً عدم رغبتها في الحصول على سلاح نووي واستعدادها لتقديم كل الضمانات من أجل ذلك بما فيه الرقابة المشددة على منشآتها النووية وخفض نسبة تخصيب اليورانيوم الى نسبة مقبولة أميركيا.
ها هو ترامب يعود الى نفس النقطة التي بدأ منها الحرب على إيران. أما مضيق هرمز، فهو الشيء الذي يدعو للسخرية لأنه كان مفتوحاً قبل الحرب ولم يكن مَوضع مفاوضات. ترامب جعله كذلك بحربه على إيران.
ثانياً: فشل إدارة ترامب في حماية القواعد العسكرية في كامل دول الخليج العربي والعراق والأردن. بل إن الأسوأ هو أن هذه القواعد التي من المفترض بها حماية الدول الموجودة فيها، قد أصبحت هي عبئاً على هذه الدول. وهو ما سيفرض عليها بالضرورة إعادة حساباتها في استضافة هذه القواعد على أراضيها.
والمؤكد أن دول الخليج العربي ستتساءل عن جدوى استضافتها لهذه القواعد، خصوصاً وأنها هي من يقوم بدفع تكاليف صيانتها وتطويرها وتوسيعها. والأهم، لأن هذه الحرب التي لم تُردها والتي فشلت في إقناع إدارة ترامب بتجنبها قد كلفتها الى اليوم ما يزيد على 300 مليار دولار، سواء بسبب عدم قدرتها على تصدير نفطها وغازها أو بسبب الدمار الذي لحق بالبنية التحتية لبلدانها.
ثالثاً: فشل إدارة ترامب في حشد أي قدر من التأييد الدولي لهذه الحرب. هي لم تتمكن من إقناع دولة واحدة في العالم بالانضمام اليها أو تأييدها. لم تكن هذه هي الحرب الوحيدة التي تخوضها أميركا خارج إطار القانون الدولي، لكنها الحرب الوحيدة التي تظهر فيها معزولة ومنبوذة عالمياً.
في حرب أميركا على العراق العام 2003 كان هنالك تحالف «الراغبين» حيث انضمت بريطانيا فعلياً للحرب، والبعض من الدول الأوروبية قدم الخدمات اللوجستية، وبعد الحرب، انضمت دول أخرى للمساعدة في العراق. وفي حربها على صربيا العام 1998 كان الناتو جميعه يقاتل الى جانبها. أما اليوم فإن إدارة ترامب تستجدي وتتوسل من دول «الناتو» المشاركة معها في فتح مضيق هرمز ولا أحد يقبل بذلك.
هذه العزلة الدولية لأميركا، هي المؤشر الأقوى على فشل حربها على إيران، وعلى المأزق الذي يجد الرئيس ترامب نفسه فيه، وهو ما يَجعله يتخبط وكلما فعل ذلك، غرق أكثر.
في المحصلة، لم تُنتج حرب ترامب على إيران نصراً أميركياً كما جرى الترويج له، بل كشفت حدود القوة الأميركية حين تُدار الأزمات بالأوهام. فما بدأ بشعار إسقاط النظام انتهى إلى العودة لنقطة التفاوض نفسها، ولكن بكلفة أعلى وعزلة دولية أعمق ومخاطر إقليمية ودولية أكبر. ولهذا، فإن مأزق ترامب الحقيقي لا يكمن فقط في فشله في حسم الحرب، بل في أنه أدخل
الولايات المتحدة في مواجهة مفتوحة لا تملك لها مخرجاً واضحاً.
الأيام الفلسطينية
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.