«ترامب مالئ الدنيا وشاغل الناس». هو كذلك بسبب مزاجه الخاص الأرعن، ونرجسيته المفرطة والجامحة، وجشعه غير المحدود. هو كذلك، أيضاً، بسبب ما طرأ على علاقات الإنتاج والتسويق والأسواق والعلاقات الدولية من تبدّلات تهدّد، جدياً، بإزاحة واشنطن عن احتلال المركز الأول عالمياً، من ناحيتي حجم الاقتصاد والنفوذ السياسي. إلى ذلك، فنهج الرئيس ترامب هو ذروة في مسار بدأه الرئيسان، جورج بوش الأب، فالابن، لتوظيف قوة أميركا «المتفوّقة» في خدمة اقتصادها مباشرة.
استدعى الأمر، بدءاً من عملية «عاصفة الصحراء» (تحرير الكويت) إلى احتلال أفغانستان فالعراق، جملة حروب ومغامرات وانتهاكات... ما ألغى، خصوصاً في ولايتي ترامب السابقة والحالية وفي الحقول كافة، معظم القواعد والمعاهدات والاتفاقيات التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. في السياق، تمّ تغيير الكثير من علاقات وسياسات وتحالفات السلطات الأميركية: في
الولايات المتحدة نفسها، أو إزاء أقرب جيرانها وحلفائها.
الاستثناء شبه الوحيد، خصوصاً بالنسبة إلى الرئيس ترامب، هو ثبات النهج والسياسات والعلاقات مع الكيان الصهيوني. يتأكد من خلال وقائع وبراهين وسياسات تتكشّف وتمارس كل يوم، بأن صعود ترامب ونهجه هما ثمرة تعاظم دور ونفوذ المافيات واللوبيات الصهيونية في أقوى دولة في العالم! «وافق شن طبقة». الصهيونية منظومة اغتصاب وإجرام وجشع وهيمنة وفاشية... دون حدود أو قيود. من جهته ترامب: عنصري كريه، وكاره لأجناس وقوميات وشعوب وقارات بكاملها.
هو مهووس بالسلطة والعظمة وصولاً إلى التماثل مع الأنبياء والمرسلين. متسلّط لا يميّز بين نزواته وحقوق وحقائق التاريخ والجغرافيا. أوامري وديكتاتوري وجامح وأرعن وجبان في الجوهر. لا يتردّد في إطاحة قيم ومؤسسات وتقاليد. كاذب، وبذيء، و»زقاقي» و»بلطجي» ومتنمّر. متقلّب المزاج ولا يكاد يستقر على موقف واضح، إلا في ما يتعلّق بولائه الصهيوني المطلق حيث نشأ وترعرع في «جزيرة إبستين»، وينتظم الآن في نهج بن غفير وسموتريتش ونتنياهو!
معارك ترامب تشمل كل العالم تقريباً. خلطُ أوراق شامل أطاح بمؤسسات وتحالفات وعلاقات كانت الولايات المتحدة هي من عمل على إقامتها وترسيخها واستغلالها. الشرق الأوسط ساحة أساسية لمغامرات واشنطن منذ تكريس المسار/النهج الذي أشرنا إليه آنفاً.
لبنان الآن في عين العاصفة مجدّداً.
زارتنا الأساطيل الأميركية عدّة مرات: عام 1958 لدعم رئيس تجاوز الدستور وزجّ لبنان في حلفين إقليميين برعاية لندن أو واشنطن. حضر «المارينز» الأميركيون، ثانية، عام 1982 لتكريس العدوان الإسرائيلي وتمكينه من ترجمة مكاسبه العسكرية في انقلاب داخلي. عام 2006 دفعت واشنطن تل أبيب لتنفيذ عدوان إسرائيلي هو امتداد لغزو العراق عام 2003، ولإقامة «شرق أوسط جديد» تهيمن عليه واشنطن، ومنطقة عربية لإنشاء «إسرائيل الكبرى».
تناولُ شخصية ترامب، بالنسبة إلى الحديث عن العدوان الإسرائيلي على لبنان، سببه، إذاً أن الرئيس الأميركي، شأنه في كل مكان وزمان، حاضر ههنا أيضاً، بشكل مباشر وتفصيلي: يشخصن كل سياساته ومعاركه وعلاقاته. تراجع ترامب، بعد ضغوط صهيونية، عن شمول لبنان بوقف إطلاق النار في المنطقة في الثامن من نيسان الحالي. لا غرو! فهو وقبله بايدن، أجازا للعدو الإسرائيلي (عبر اتفاق جانبي) استمرار العدوان على لبنان طيلة 15 شهراً رغم التزام المقاومة الكامل بوقف إطلاق النار من طرف واحد.
صعود وتعاظم النفوذ الصهيوني في واشنطن، هما، كما تدل مؤشرات عديدة، الوجه الآخر لبداية عملية تصدّع وانهيار الإمبراطورية الأميركية!
في الأثناء، كانت الولايات المتحدة تدير خطة محكمة، سياسية وإعلامية وأمنية واقتصادية، من أجل تمكين العدو من تحقيق كامل أهدافه: بتصفية المقاومة وبتحويل لبنان، مرة جديدة، إلى محمية إسرائيلية بإشراف أميركا، على غرار ما حصل في عام 1983 بعد الغزو الإسرائيلي للبنان واحتلال عاصمته وفرض سلطة موالية لها في بيروت وإقرار اتفاق 17 أيار الاستسلامي.
لقد نجحت جهود أتباعها المحليين والإقليميين، بإحداث تغيّر كبير في السلطة على مستوى رئاسة الجمهورية ورئاسة وتركيبة الحكومة وتوازناتها. عكست الصورة التي فرضتها واشنطن في وزارة الخارجية الأميركية، مساء الثلاثاء الماضي، ملخّصاً عما تريده واشنطن وتل أبيب مباشرة وصراحة من لبنان: تصفية المقاومة، والإمعان في التنكر لحق الشعب اللبناني في تحرير أرضه وممارسة سيادته الكاملة عليها. ذهب لبنان الرسمي إلى تلك المفاوضات متسوّلاً وضعيفاً ومجرّداً من أي عنصر قوة: داخلي أو خارجي! أمّا الذريعة فطلب وقف إطلاق النار الذي كان قد رفضه لتوّه، مبدئياً وعملياً، بحجة أنه لا يقبل بأن تنوب عنه طهران في التفاوض! لم تكن مسألة التفاوض باسم لبنان مطروحة أصلاً.
لبنان كان إحدى جبهات الحرب. وقف الحرب كان يشمل الجميع. فجأة افتُعلت أزمة التمثيل.
تذرّعت واشنطن بذلك لاستثناء لبنان من وقف إطلاق النار، كما كان يريد الطرف الإسرائيلي تماماً! لم يكن هذا السيناريو مجرّد خطأ، أو سوء تقدير، أو حتى رعونة! إن ثمرة مسار بدأ بتطبيق اتفاق «وقف الأعمال العدائية» بصورة تآمرية ومخادعة، ومن ثم بفرض وصاية أميركية سعودية على لبنان، وإعادة تكوين السلطة التنفيذية بما يلبّي الأساسي من الشروط الأميركية والإسرائيلية. تساوق مع ذلك نشاط قوى سياسية محلية، بعضها الأساسي كان ذا علاقات تعاون مع الكيان الصهيوني، في دفع المواقف إلى حدّها الأقصى: الدعوة إلى التحالف مع العدو الإسرائيلي والاستقواء به وبالخطة الأميركية، لإعادة النظر في نظام وموقع وسياسات وتوازنات البلد بشكل جذري!
الصراع ضد
إيران بوصفها قوة معارِضة مهمة وفعّالة لهذا التوجه، هو صراع يسعى أطرافه من أجل حسم مصير المنطقة بكاملها لمصلحة التحالف العدواني الأميركي والصهيوني. لبنان حلقة مقاومة تميّزت دائماً بالتصدّي للمعتدين وبتسجيل نجاحات وإنجازات كبيرة ضدهم. المسؤولية والتضحيات أكبر وأخطر. لا بديل من مواصلة هذا النهج دفاعاً عن لبنان وعن شعوب المنطقة ضد مشاريع وقوى
الاحتلال والهيمنة.
يبقى أن نشير إلى أن صعود وتعاظم النفوذ الصهيوني في واشنطن، هما، كما تدل مؤشرات عديدة، الوجه الآخر لبداية عملية تصدّع وانهيار الإمبراطورية الأميركية!
الأخبار اللبنانية
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.