مقالات مختارة

فنزويلا في ناظر ترامب: تصيّد آبار النفط قبل السَحَرة

صبحي حديدي
جيتي
جيتي
شارك الخبر
إذا انتمى امرؤ إلى ذلك الرهط الذي يحلو له طرح أسئلة لا عناء، البتة، في العثور على إجابات لها، طبقاً لمنطق الحدود الدنيا في التأويل أو حتى الفذلكة المجانية؛ فإنه، بصدد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، سوف يسأل هكذا (كما فعل مات وليامز، محررموقع التحليل السياسي الأمريكي الشهير Conversation)) مثلاً: أكان الفعل قانونياً؟ ما الذي عرفه الكونغرس مسبقاً؟ كيف يقترح ترامب إدارة بلد آخر؟ ما الذي يعنيه ذلك للسياسة الخارجية الأمريكية، ولفنزويلا ذاتها؟

ذلك أنّ أية جدوى مرتجاة خلف هذه الشهية التساؤلية لن تعدو، في أفضل حالاتها بالطبع، ممارسة رياضة مستهلَكة مستنفَدة، ولعلها لم تعد جديرة إلا بفلول ما سُمّي ذات يوم بـ«النظام الدولي الجديد»، أيام جورج بوش الأب، ثمّ عصبة «المحافظين الجدد» التي شبعت قِدماً وركاكة (ولكنها، من دون عجب، ما تزال تعشش في عقول نفر من «العقلانيين» العرب، في جيوب نيو ـ ليبرالية مدقعة ومفلسة). وذلك، أيضاً، لأنّ تلميذ صفّ أوّل في مدرسة السياسة الدولية عموماً، والحصة الأمريكية منها خصوصاً، سوف يفيدك بلا أدنى مشقة: فتّشْ عن بئر النفط؛ وليس، نهائياً، الدفاع عن حقوق الشعب الفنزويلي في الحرية والديمقراطية والرخاء والسلام، أو حتى مبدأ صيد السَحَرة الذي اشتهرت به الإدارات الأمريكية وأجهزة استخباراتها في طول العالم وعرضه.

وعلى سيرة الصيد والتصيد، ولهواة ممارسة هذا الخبل في المستنقعات العكرة خصوصاً، قد يكون من تحصل الحاصل التشديد على أنّ هذه السطور لا تحمل إلا الاحتقار الأقصى لشخص مادورو؛ المستبدّ في بلاده، المنكّل بالشعب الفنزويلي، خادم شركات النفط العملاقة، صديق طغاة العالم وأنصافهم وأرباعهم، النافخ في قربة مثقوبة بصدد المزاعم التقدمية واليسارية عموماً والبوليفارية خصوصاً… وتلك اعتبارات، مثل الكثير سواها، لا تدفع هذه السطور أيضاً إلى أيّ مستوى من الشماتة في اختطاف مادورو على النحو الأكثر مهانة وإذلالاً، وهي بالتالي لا تتقبل أيّ تبرير لسلوك رئيس أمريكي، يقود إدارة باركت حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة؛ وارتكبت، على شاكلة سابقاتها من الإدارات، جرائم حرب وتدخل خارجي ومحاباة طغاة وإسقاط أنظمة شرعية وحياكة انقلابات على حكومات منتخبة ديمقراطياُ.

الأصل، إذن، هو نهج التدخل الأمريكي الخارجي في شؤون الشعوب، العسكري والاستخباراتي والاقتصادي والسياسي، المباشر تارة والخفي تارة أخرى؛ عن طريق الاجتياح والغزو، أو حياكة المؤامرات والانقلابات، أو استمالة قوى محلية عميلة، أو إثارة نعرات التفكيك والتجزئة، أو ممارسة أشكال شتى من الحصار الاقتصادي وفرض عقوبات تخنق الفئات الشعبية ولا تؤذي الأنظمة الحاكمة. وما إلى هذا وذاك من طرائق انتهاك لأبسط أعراف ما يُسمى «القانون الدولي»، ذاته الذي تتشدق الولايات المتحدة بالدعوات إلى سيادته، مثلما تدوس علانية مواضعات ما يسمى أيضاً «المجتمع الدولي» الذي تظاهرت بفرضه دول الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً. وليس عجيباً، والحال هذه، أن تعود إلى التسويق، في قلب أجهزة ما بعد الحرب الباردة السياسية والاقتصادية والفلسفية، في أوروبا والولايات المتحدة، تياراتُ التشكيك في فكرة «الغرب» ذاتها؛ أو ما تبقى من هشيم مفاهيمها وأطلال أعمدتها.

ولائحة ذلك النهج الأمريكي الرسمي تضمنت، في نطاق الدول العربية والشرق الأوسط، فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وليبيا والصومال وجنوب اليمن والكويت وإيران وأفغانستان؛ وعلى امتداد دول الجنوب، ثمة كوبا والدومنيكان وغواتيمالا وبناما وتشيلي وغرينادا وهاييتي وبوليفيا والبرازيل ونيكاراغوا وفنزويلا، وثمة كوريا الشمالية وفييتنام وأندونيسيا والصين ولاوس وسورينام والتبت وتايلاند، وكذلك غويانا والكونغو وأنغولا والموزامبيق؛ هذا فضلاً عن دول كانت في عداد المعسكر الاشتراكي، مثل ألبانيا وبيلاروسيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية وهنغاريا ولاتفيا ولتوانيا وبولندا ورومانيا والاتحاد السوفييتي وأوكرانيا؛ ولم يوفّر النهج الأمريكي دولاً حليفة مثل فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا واليابان…

وقد يُستذكَر، هنا، ما يضربه التاريخ من أمثلة على قوى عظمى أخرى، لمستْ في ذاتها القدرةَ على قيادة الكون، بهبة من الله أو القدر كما قال ساستها وفلاسفتها. ففي القرن الأول قبل الميلاد، وفي تقريظ ما سُمّى بـ «السلام الروماني»، رأى شيشرون أنّ الشعب الروماني يتحمل مسؤولية رعاية الكون وفرض القانون الروماني على «الشعوب البدائية»، سواء بالإقناع أو بالإكراه. الإمبراطورية البريطانية كانت، من جهتها، بمثابة «عبء الرجل الأبيض كما فرضته يد التاريخ الجليلة»، وفي العقد الأوّل من القرن الماضي اعتبر البريطاني جورج أنوين أنّ «حسّ الإمبراطورية ملائم لمزاج الإنكليزي، لكنّ ضميره السياسي ينفر منه. ماذا في وسعه أن يفعل؟ لا مهرب له من قبول هذا الواجب الأعلى الذي فرضه الله، وهذا الشرف الذي أسبغه القدر». تلك كانت مرحلة السلام البريطاني.

لكنّ سلام الولايات المتحدة، أو الـ Pax Americana في المصطلح المستقرّ، كان منذ البدء حالة استثنائية في بواعثها وأهدافها، ولم نعدم كاتباً أمريكياً ظريفاً جنح إلى الشكوى من «واجب مقدّس» أطلق عليه سلسلة تسميات، بينها «الإمبراطورية بالصدفة العمياء»، و«الإمبريالية بالتطوّع»، و«العبء الجديد للرجل الأبيض». وفي كتاب بعنوان «السلام الأمريكي» صدر للمرّة الأولى سنة 1967 ولم تمنع حرب فييتنام من جعله كتاباً أثيراً لدى شرائح قراءة واسعة في الولايات المتحدة؛ يقول رونالد ستيل: «على النقيض من روما، إمبراطوريتنا لم تلجأ إلى استغلال أطرافها وشعوبها. على العكس تماماً… نحن الذين استغلتنا الشعوب واستنزفت مواردنا وطاقاتنا وخبراتنا»!

ذلك، على وجه الدقة، ما يقوله ترامب اليوم بصدد اختطاف مادورو، وإدارة فنزويلا، واسترجاع نفطها (الذي سرقته من أمريكا، حسب مزاعمه!)؛ وما يقوله عن قرب ضمّ حزيرة غرينلاند إلى ممالك الولايات المتحدة. وتلك أصداء تردد ما قاله رؤساء أمريكيون سابقون، ليس بصدد الجزيرة هذه منذ 1824 مع مبدأ جيمس مونرو الشهير، بل كذلك على سبيل التفلسف الاستثماري/ الاستعماري للشعوب والبلدان أينما كانت على خريطة الكون. فإذا كان السلامان الروماني والبريطاني سلسلة ترتيبات استهدفت حماية المصالح الرومانية والبريطانية، عبر خلق نسق خاص من النظام والقانون تنتعش فيه تلك المصالح، ويجري خلاله تسخير الجهد العسكري بما يكفل حماية ذلك النسق؛ فإنّ السلام الأمريكي يختلف جذرياً من حيث ارتكازه على القاعدة الذهبية التالية: يُفترض، مسبقاً بالتراضي أو بالقوّة، أن تتوفر حالة من التطابق والتوافق التامّين بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح الإنسانية جمعاء.

والحكومات أو الحركات السياسية التي تعترض على هذا التطابق الفطري، إنما تضمر العداء للولايات المتحدة، وتناهض سلامها الكوني بالضرورة؛ والحرب ضد أولئك «العصاة» تصبح، تأسيساً على ذلك، مهمة مقدسة تستهدف خير البشرية والمجتمع الدولي، وحملة صليبية مديدة متجددة من أجل عالم «لائق» و«حرّ» و«ديمقراطي». وهذه، دون أيّ تبديل أو تعديل، هي اللغة التي استمع إليها العالم، كلّما تعيّن أن تذهب أمريكا إلى الحرب! أو، في تنويع غير نادر البتة، كلما تعارضت في قليل أو كثير مصالح واشنطن مع حلفائها، ليس على نطاق «الغرب» وحده، حيث أضاليل القيم المشتركة والتاريخ والثقافة؛ بل، كذلك، على أصعدة مؤسسات عسكرية الطابع مثل الحلف الأطلسي، أو إمبريالية المكاسب مثل حروب التجارة والتعرفة الجمركية.

تصيّد آبار النفط الفنزويلية هو الصفحة الأحدث، إذن، في مجلدات أمريكية ثقيلة؛ غاصّة بانتهاكات وحروب واجتياحات وجرائم حرب، لا عدّ لها ولا حصر.

القدس العربي
التعليقات (0)