ثمة صورة فوتوغرافية ملأى بالدلالات، تعود إلى تموز/ يوليو 2023، وتُظهر الرئيس
التونسي قيس سعيّد في حال من تشابك الأيدي والمصافحة مع ثلاثة من قادة
أوروبا: مارك روته، رئيس الوزراء الهولندي؛ أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية؛ وجورجيا ميلوني، رئيسة الحكومة الإيطالية. الابتسامات الطافحة كانت تشي بطبيعة المكاسب خلف هذا اللقاء، على الجانبين: سعيّد نفسه، ونظام قصر قرطاج الراهن والمستقبلي؛ وأوروبا، على أصعدة الدول والاتحاد، جيو ـ سياسياً واقتصادياً.
ذلك لأنّ تلك البرهة الاحتفالية كانت، من حيث العلن، تدشن ما سُمّيت «مذكرة التفاهم» حول الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الاتحاد الأوروبي والدولة التونسية، الهادفة إلى «مكافحة الهجرة غير النظامية في وسط البحر الأبيض المتوسط، وتسهيل ترحيل التونسيين الموجودين في وضعية غير قانونية داخل دول الاتحاد الأوروبي».
وأمّا من حيث أغراض الباطن، فإنها توقيع أوروبي على نهج سعيّد الأوتوقراطي والاستبدادي، حتى من دون أثمان اقتصادية واستثمارية تعين النظام في مواجهة غليان الشارع الشعبي والأزمات البنيوية التي تعصف بالعيش والاجتماع والخدمات والأسعار والبيئة.
وإذ تكتفي أوروبا بالصمت ثمناً للشراكة مع استبداد سعيّد، أو لا تقدّم مالياً سوى فتات لا يعادل النزر اليسير مما تضطر إلى إنفاقه على ميزانيات استقبال اللاجئين؛ فإنّ الرئيس التونسي يواصل مسارحه الاستعراضية في رفض الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، تحت ستار كاذب يتغنى بمبدأ «الاعتماد على الذات»
أحدث البراهين على ثمار تلك البرهة، وأوان قطافها من جانب النظام التونسي، يتمثل هذه الأيام تحديداً في الصمت الأوروبي على الأحكام القضائية الجائرة، في الملفات الكافكاوية المسماة «قضية التآمر»؛ والتي شملت نشطاء حقوق مدنية وصحافيين ومثقفين وكتّاباً وساسة ورجال أعمال، ليبراليين أو يساريين أو إسلاميين أو متجردين من أي انتماء إيديولوجي. القاسم المشترك شبه الوحيد الذي يجمعهم هو التالي: أنهم عارضوا، بأشكال شتى ومستويات متباينة وسياقات مختلفة، انقلاب 25 تموز (يوليو) 2021 الذي قاده سعيّد، وأسفر عن تكريس منظومة استبداد هيمنت تباعاً على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وللمرء أن ينتظر برهاناً ثانياً على الشراكة الأوروبية مع استبداد سعيّد، في أطوار إضافية من الصمت على قرار سيّد قرطاج بتمديد حالة الطوارئ، القائمة أصلاً منذ انقلاب 2021، والتي مُدّدت مراراً، وتمنح وزارة الداخلية سلطات استثنائية تشمل حظر التجوال وتفتيش المحالّ والمساكن، ومراقبة وسائل الإعلام والعروض السينمائية والمسرحية؛ وكلّ هذه التدابير، وسواها، من دون حاجة إلى إذن مسبق من القضاء، عدا عن اقتصار التشريعات على مراسيم رئاسية. هو ذاته، وإن بتنويعات هنا وهناك، إيقاع الصمت الأوروبي على حلّ البرلمان التونسي ومجلس القضاء، ومهازل الاستفتاء على دستور جديد بمقاييس قصر قرطاج، وإجراء انتخابات تشريعية قاطعها سواد الشعب التونسي، وإعادة انتخاب سعيّد لفترة رئاسية ثانية تمتدّ على 5 سنوات.
وإذ تكتفي أوروبا بالصمت ثمناً للشراكة مع استبداد سعيّد، أو لا تقدّم مالياً سوى فتات لا يعادل النزر اليسير مما تضطر إلى إنفاقه على ميزانيات استقبال اللاجئين؛ فإنّ الرئيس التونسي يواصل مسارحه الاستعراضية في رفض الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، تحت ستار كاذب يتغنى بمبدأ «الاعتماد على الذات»، فيرتفع معدّل الدين العام إلى 80% من الناتج القومي الإجمالي. الأوضاع المعيشية لا تتدهور يوماً بعد آخر فحسب، بل هي تسقط إلى حضيض غير مسبوق تحت وطأة غلاء فاحش في الأسعار، وندرة في المواد الغذائية الأساسية، وتفاقم معدلات البطالة إلى أكثر من 16%، وتراكم في الدين العام يتجاوز 42 مليار دولار.
صحيح، بالطبع، أن الابتسامات الطافحة بين سعيّد والقادة الأوروبيين تكررت في الماضي مع نماذج استبداد هنا وهناك، سواء في العالم العربي أو أنظمة جنوب العالم عموماً؛ وبالتالي فإنّ الجديد في كلّ مرّة يقتصر على تعاظم أفانين الشقاء التي تُدخلها الابتسامات على الشعوب. صحيح في المقابل أنّ التاريخ سجّل، مراراً أيضاً، سلسلة دروس بليغة حاسمة بصدد مآلات هذا الطراز من الشراكات؛ سواء اتعظ الشركاء بعواقبها، أم تجاهلوها ودفنوا الرؤوس في الرمال.