فينكلشتاين يكسر التابوات ويهاجم "ما يفوق الوقاحة" (بورتريه)

لم يتحمل الإسرائيليون الأفكار النقدية التي كان يعبر عنها فينكلشتاين ببسالة وشجاعة، فحين زار فلسطين المحتلة عام 2008 أوقف فور هبوط الطائرة في مطار بن غوريون وخضع لاستجواب مطول وصدر بحقه قرار بمنعه من الدخول- عربي21
لم يتحمل الإسرائيليون الأفكار النقدية التي كان يعبر عنها فينكلشتاين ببسالة وشجاعة، فحين زار فلسطين المحتلة عام 2008 أوقف فور هبوط الطائرة في مطار بن غوريون وخضع لاستجواب مطول وصدر بحقه قرار بمنعه من الدخول- عربي21
شارك الخبر
عالم سياسي وكاتب وأستاذ جامعي وناشط أمريكي يهودي، يُعد من أبرز النقاد للسياسة الإسرائيلية ولما يصفه باستغلال "صناعة الهولوكوست" لتبرير الجرائم بحق الفلسطينيين.

مختص في العلوم السياسية ويتركز مجال أبحاثه الرئيسي حول القضية الفلسطينية والسياسات الحالية المتعلقة بـ"المحرقة" النازية لليهود في الحرب العالمية الثانية مدفوعا بالتجربة التي خاضها والداه، إذ كانا من الناجيين من تلك المحرقة (الهولوكوست).

يعد نورمان فينكلشتاين (فينكلستاين)، المولود في عام 1953 في مدينة نيويورك، من جيل المؤرخين اليهود الجدد، تخرج من جامعة "بينغامتون" بولاية نيويورك، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة "برنستون" بولاية نيو جيرسي.

شغل مناصب أكاديمية عدة وعمل بالتدريس والبحث في كلية "بروكلين"، وجامعة "روتجرز"، وكلية "هانتر" وجامعة "نيويورك"، وجامعة "دي بول" بشيكاغو.

سافر المرة الأولى إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1988 حيث كان ضمن وفد نظمته اللجنة العربية لمكافحة التمييز وكان لذلك الوفد خصوصية إذ جاء أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

تأثر فينكلشتاين بأحداث الشرق الأوسط الكبرى والتي شكلت منعطفا خطيرا، ومن بينها الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وانتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية) في عام 2000.

اظهار أخبار متعلقة


كانت أول تجربة له في مواجهة السردية الصهيونية حين قام بنقد كتاب جوان بيترز "من زمن سحيق"، الصادر في عام 1985، وناقش فيه جذور الصراع العربي الإسرائيلي، والتركيبة السكانية للسكان العرب في فلسطين والسكان اليهود في العالم العربي قبل وبعد عام 1948.

تعرف فينكلشتاين إلى الكتاب في فترة كتابته لأطروحة الدكتوراه فقرأه بعناية فائقة وهاله ما وجد فيه من مغالطات منهجية، وكانت الحجة الرئيسية في كتاب بيترز أن "الفلسطينيين، قاموا بتلفيق أنسابهم"، وتبين له أن الكاتبة بيترز "اختلقت خدعة رثّة".

في عام 2007، خاض خصومة حظيت بتغطية إعلامية مكثفة مع المحامي اليهودي الأمريكي آلان ديرشوفيتز (صديق جيفري أبستين ومدافع عن جرائم الاحتلال) حول القضية الفلسطينية، وعلى وقع هذه الحملة الإعلامية رُفض طلب فينكلشتاين للتثبيت في العمل الأكاديمي في جامعة "دي بول"، وهو حق تمنحه عادة الجامعات للأكاديميين المتميزين بعد فترة معينة من تعيينهم يحميهم من الفصل التعسفي، والتسريح بدون سبب وجيه.

وضعت الجامعة فينكلشتاين في إجازة إدارية الذي بدوره أعلن استقالته بعد التوصل إلى تسوية مع الجامعة بشروط لم يكشف عنها، ودافعت جامعة "دي بول" بشدة في بيان رسمي لها عن قرارها، وذكرت أن التأثير الخارجي لم يلعب أي دور في هذا القرار.

ولم يتحمل الإسرائيليون الأفكار النقدية التي كان يعبر عنها فينكلشتاين ببسالة وشجاعة، فحين زار فلسطين المحتلة عام 2008 أوقف من قبل جهاز الأمن الإسرائيلي (شين بيت) فور هبوط الطائرة التي كان على متنها في مطار بن غوريون، وخضع لاستجواب مطول من قبل "الشاباك" لمدة 24 ساعة، وسئل عن اتصالاته بـ"حزب الله" في لبنان، وتضامنه معه على خلفية الحرب الإسرائيلية في تموز/ يوليو 2006، ثم صدر بحقه قرار بمنعه من الدخول.

كان غالبية نتاجه الفكري حول منطقة الشرق الأول وبشكل خاص فلسطين، ومن أشهر مؤلفاته : "صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية"، و"ما يفوق الوقاحة: إساءة استخدام اللاسامية وتشويه التاريخ"، "إسرائيل، فلسطين، لبنان: رحلة أمريكي يهودي بحثا عن الحقيقة والعدالة"، و"صعود وأفول فلسطين: رواية خصية لسنوات الانتفاضة"، و"هذه المرة تجاوزنا الحد"، و"الحقيقة والنتائج لغزو غزة"، و "الرومانسية بين يهود أميركا وإسرائيل تقترب من نهايتها".
وترجمت كتبه المتنوعة والثرية إلى حوالي 50 لغة أجنبية من بينها اللغة العربية.

دفعه هجوم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023 إلى دائرة الضوء، وبات وجها مألوفا في البرامج الحوارية على قنوات التلفزة وعلى منصات التواصل، وأصبح كتابه "غزة: تحقيق في استشهادها"، الصادر عام 2018 أكثر الكتب مبيعا في فئة تاريخ الشرق الأوسط في موقع "أمازون".

ويرى فينكلشتاين بأن الصراع لم يبدأ في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، على عكس ما حاول الإعلام الغربي حصره في هذا اليوم، وإنما بدأ قبل احتلال فلسطين في عام 1948.

اظهار أخبار متعلقة


ويرى أن رد فعل الاحتلال ضد غزة تمثل في تحقيق شهوة للدماء وللانتقام مما حدث. بالنسبة للإسرائيليين كان السؤال هو كيف فعل هؤلاء الأغيار (غُوييم) ذلك، وكيف كان بإمكان هؤلاء "ممن هم دون البشر "أن يتفوقوا علينا نحن الخارقين". بحسب فينكلشتاين.

كما اهتزت صورة "الدولة اليهودية" في ذهن الإسرائيليين بوصفها دولة فائقة الذكاء ومتقدمة ولديها أحدث التقنيات، وما حدث هو أن هؤلاء ممن يرونهم "من دون البشر"، تفوقوا عليهم، لذلك هم ينتقمون الآن بطريقة فاشية. وفق ما يراه فينكلشتاين الذي أكد أن دولة الاحتلال اعتمدت دائما على ما تسميه "قدرة الردع"، وهذا مجرد مصطلح خيالي يهدف لنشر الخوف في العالم العربي.

وعلى المستوى الشعبي الإسرائيلي، بدأ الاعتقاد بأن "دولتهم" قد لا تكون قوية كما كانوا يعتقدون وقد لا تكون هي القوة التي لا تُقهر. وبالتالي كان عليها استعادة قدرتها على "الردع" كي يستمر الخوف في العالم العربي منها، من خلال ارتكاب مجازر واسعة النطاق في غزة، لنقل ما تفعله إلى بقية العالم العربي في رسالة مفادها "أنك إذا رفعت رأسك عاليا، فسنفعل بك ما فعلناه بغزة" كما يقول فينكلشتاين في تصريحات صحفية.

ورغم كل النقد الذي وجه إلى آراء فينكلشتاين، فقد حظي أيضا بمديح عدد من أبرز المؤرخين الكبار والمعروفين من أمثال، راؤل هيلبرغ أهم خبير في "الهولوكوست" والكاتب اليهودي البريطاني الشهير آفي شليم، فضلا عن المفكر اليهودي نعوم تشومسكي.

ورغم ما يواجهه من هجمات من اللوبيات الداعمة للاحتلال فهو يعيد التأكيد باستمرار بأن المشكلة ليست في نتنياهو فقط بل في المجتمع الإسرائيلي الذي يدعم الإبادة الجماعية وفي قتل الأطفال والنساء.

 وحين سألته مذيعة تلفزيونية عن نتنياهو وكراهية اليهود قال:" لقد قلت أنّ الإسرائيليين يكرهون نتنياهو، هذا غير صحيح. أتعلمين لماذا؟ لأنه شخصية بغيضة، نرجسي ويهودي عنصري، وهذا ما هو عليه المجتمع الإسرائيلي، بغيض، نرجسي وعنصري. حين يرونه يرون أنفسهم، بالنهاية ينتخبوه دائما. ينتخبوه لأنه يُمثل الوجه الحقيقي للمجتمع الإسرائيلي".

ويختم فينكلشتاين بقوله: "متى سيفهم العرب أن بينهم وحش شرس سيلتهمهم جميعا؟"
في قضية جيفري إبستين، برز اسم فينكلشتاين بوصفه الشخص الوحيد الذي اتخذ موقفا رافضا وعدائيا بشكل حاسم، بعدما أبلغه عبر وسيط  بعدم رغبته في أي تعامل معه أو الذهاب إلى جزيرته، وشتمه بوصفه مغتصب أطفال.

لقد أمضى فينكلشتاين غالبية سنوات عمله في التدريس والتأليف منبوذا من قبل وسائل الإعلام التقليدية ومن الأوساط الأكاديمية الأمريكية، لكنه عاد بكل ألقه وقوته مع تفجر "طوفان الأقصى"، وهو يتفرد بكونه اليهودي الأشد بسالة في مقاربة أشد التابوات خطورة وهي مدى "شرعية " وجود دولة الاحتلال.

ولا يحب أبدا أن يوصف بمعادي الصهيونية لأن ذلك "يجعل أفعالي تبدو وكأنها نتاج استحواذ تلك الفكرة عليّ" كما يقول.

يضيف: "يمكنك القول أني الآن عاطل عن العمل بصورة دائمة، فقداني لوظيفتي أصبح قضية وطنية، وكان الشعور السائد بأن ذلك كان قرارا سياسيا بحتا. ليس لدي أدنى ندم أو تردد ولن أتراجع عن أية كلمة قلتها، إن كان البعض يظن بأنني لأجل حماية نفسي أو اسمي سأغير مواقفي وأقول لا بأس أن تحتل إسرائيل دولة أخرى فلا، لن يحدث هذا مطلقا، ليس أنا من يفعل ذلك".
التعليقات (0)

خبر عاجل