في لحظة كانت كفيلة بنسف المحادثات بين
إيران والولايات المتحدة قبل انطلاقها، تقدمت طهران بمطلب اعتبر مفصليا٬ وهو نقل مكان الاجتماع من إسطنبول إلى مسقط، عاصمة سلطنة
عُمان، وإلغاء مشاركة دول عربية وإسلامية، لصالح وساطة السلطنة وحدها.
وبحسب ما أورده الصحفي دودي كوجان في صحيفة “إسرائيل اليوم”، لم يكن اختيار عُمان مجرد تفصيل لوجستي، بل قرارا محسوبا يرتكز على تاريخ طويل من الحياد، وثقة متراكمة، وخبرة عُمانية في إدارة الملفات المعقدة خلف الأبواب المغلقة.
مسقط بدل إسطنبول
يشير التقرير إلى أن طهران وضعت نقل الاجتماع إلى مسقط كأحد مطالبها الأساسية في لحظة أزمة كادت أن تطيح بالمحادثات قبل أن تبدأ، إلى جانب طلب آخر تمثل في استبعاد مشاركة دول عربية وإسلامية، والاكتفاء بوساطة عُمان التي تقع على الجانب الآخر من مضيق هرمز.
ويستعيد التقرير ما يصفه بـ”الذاكرة العامة القصيرة”، حيث يذكر بأن عُمان أدت دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة خلال خمس جولات من
المفاوضات التي سبقت الحرب في حزيران/يونيو الماضي، والتي عقدت في مسقط وفي السفارة العُمانية بروما.
غير أن كوجان يؤكد أن دور السلطنة كوسيط ليس طارئا، بل يمتلك جذورا أعمق بكثير في تاريخ المنطقة.
ونقل كوجان عن إيلان زلايت، الباحث في شؤون دول الخليج في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب، قوله إن “سلطنة عمان هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي ينتمي معظم سكانها إلى الطائفة الإباضية، وهي ثالث أكبر طائفة في الإسلام بعد السنة والشيعة، والتي انشقت في وقت مبكر جدا من التاريخ الإسلامي”.
ويضيف زلايت، وفق ما ورد في التقرير، أن هذه الهوية التي تنتمي إليها غالبية السكان والعائلة المالكة، تمنح السلطنة “حيادا طبيعيا”، مشيرا إلى أن السلطان الراحل قابوس بن سعيد شدد لعقود على التسامح الديني، وحافظ على هذه السياسة تجاه العالم السني والسعودية من جهة، وتجاه إيران من جهة أخرى، وهو ما وصفه التقرير بأنه “استقرار الحياد”.
اظهار أخبار متعلقة
ملتقى دبلوماسي بين كتلتين متصارعتين
وبحسب كوجان، فإن هذا الحياد جعل مسقط نقطة التقاء دبلوماسية تستقبل الجميع، إذ توسطت السلطنة بين السعودية وإيران في العملية التي أفضت إلى المصالحة عام 2023، كما لعبت دورا وسيطا بين الولايات المتحدة والحوثيين ضمن مسار قاد إلى وقف إطلاق النار في حزيران/يونيو الماضي.
كما يعدد التقرير مواقف عُمان التي عززت صورتها كطرف غير منحاز، من بينها:
- رفضها الانضمام إلى التحالف السعودي ضد الحوثيين عام 2015.
- عدم مشاركتها في مقاطعة قطر عام 2017.
- عدم قطع علاقاتها مع نظام بشار الأسد خلال الحرب الأهلية السورية.
وفي المقابل، حافظت السلطنة ـ كما يورد التقرير ـ على علاقات وثيقة مع
واشنطن، حيث لا تزال سفن البحرية الأمريكية ترسو في موانئها.
أول زعيم عربي يرسل وفدا إلى إيران
ويشير التقرير إلى أنه حتى بعد سقوط الشاه عام 1979، لم تتخل عُمان عن طهران، بل كان قابوس أول زعيم عربي يرسل وفدا إلى إيران بعد الثورة.
ومع ذلك، يوضح التقرير أن عُمان سمحت في البداية للولايات المتحدة باستخدام أراضيها ضمن عملية إنقاذ الرهائن الفاشلة خلال أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران.
وعلى مدى السنوات اللاحقة، حافظت السلطنة ـ بحسب التقرير ـ على قنوات اتصال مفتوحة مع النظام الإيراني الجديد، مراعاة لمصالحها مع دولة تتشارك معها مضيق هرمز.
ويرى كوجان أن هذه الشراكة بين مسقط وطهران تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية: استقرار مضيق هرمز باعتباره شريانا تجاريا عالميا حيويا، والثقة المتراكمة بين الطرفين على مدى عقود، وحقيقة أن عُمان لم تسع قط إلى لعب دور “قوة إقليمية”.
ويخلص التقرير إلى أن هذه العوامل جعلت السلطنة أكثر ملاءمة لإيران من دول أخرى سارعت إلى لعب دور الوسيط، مثل تركيا وقطر.
وبحسب ما نقلته صحيفة “إسرائيل اليوم” عن “نيويورك تايمز”، فإن طهران خشيت من أن يُوحي اجتماع واسع النطاق بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقوم بـ”استعراض”، وأن عبء الانتظار لا يقع على واشنطن وحدها، بل على المنطقة بأسرها.
وفي توصيفه للمناخ السياسي الإيراني، نقل كوجان عن زلايت قوله: “الإيرانيون يشكّون في الجميع في الوضع الراهن، مع بلوغ حالة من جنون الارتياب ذروتها داخليا وخارجيا، حتى في قطر.
لكن عُمان تتمتع بسمعة طيبة في التكتم، والأطراف تعرف بعضها بعضا، مما يجعلها وسيطا مثاليا في نظرهم”.
اظهار أخبار متعلقة
ويشير تقرير “إسرائيل اليوم” إلى أن مسقط كانت على الدوام الوجهة المفضلة عندما تبحث الولايات المتحدة عن قناة للحوار الجاد مع إيران.
ففي عام 2011، توسطت السلطنة في إطلاق سراح ثلاثة سياح أمريكيين كانوا محتجزين في إيران، بل دفعت كفالتهم.
كما استضافت في أوائل التسعينيات محادثات سرية مهدت الطريق لاحقا للاتفاق النووي لعام 2015.
إيران ترفض مقترح تركيا وتختار عُمان
كشفت وسائل إعلام تركية، نقلا عن مصادر دبلوماسية، أن إيران رفضت الصيغة متعددة الأطراف التي اقترحتها تركيا لاستضافة محادثات شاملة في إسطنبول تضم عددا من الدول الإقليمية، مفضلة بدلا من ذلك أن تجرى المفاوضات بشكل ثنائي فقط مع الولايات المتحدة في سلطنة عمان.
وبحسب المصادر، فإن هذا التحول جاء في إطار رغبة طهران في حصر جدول الأعمال بالملف النووي فقط، وعدم فتح ملفات أخرى مثل برنامج الصواريخ الباليستية أو دعم الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، وهي قضايا ترى إيران أنها قد تفرض عليها إذا جرى التفاوض ضمن إطار أوسع متعدد الأطراف.
وفي السياق ذاته، نقلت وكالة “بلومبرغ” عن مصادر مطلعة، الأربعاء الماضي، أن إيران طلبت من الولايات المتحدة نقل المحادثات الدبلوماسية التي كان من المقرر عقدها الجمعة في تركيا إلى سلطنة عمان، مع التأكيد على ضرورة أن يقتصر جدول أعمالها على البرنامج النووي الإيراني.
وأضافت المصادر أن طهران تريد أن تركز المحادثات على الأنشطة النووية فقط، دون التطرق إلى ملفات أخرى مثل دعمها للجماعات المسلحة في الشرق الأوسط أو برنامجها للصواريخ الباليستية.
كما أشارت المصادر إلى أن إيران تعارض أيضا مشاركة دول إقليمية أخرى في المفاوضات، باستثناء تركيا، وهو ما يعكس رغبتها في ضبط شكل المحادثات ومنع تحولها إلى منصة إقليمية واسعة.
اظهار أخبار متعلقة
من جهته، قال مسؤول إقليمي لوكالة “رويترز”، الأربعاء، إن إيران قررت نقل المحادثات مع الولايات المتحدة من إسطنبول إلى سلطنة عمان، رغبة منها في أن تكون هذه الجولة امتدادا للمفاوضات السابقة التي جرت هناك بشأن برنامجها النووي.
وأضاف المسؤول: “يريدون فقط مناقشة الملف النووي مع الأمريكيين، بينما ترغب الولايات المتحدة في إدراج موضوعات أخرى مثل الصواريخ الباليستية وأنشطة وكلاء إيران في المنطقة”.
ترامب يصف الجولة الأولى بـ”الجيدة جدا”
وفي واشنطن، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجولة الأولى من مفاوضات بلاده غير المباشرة مع إيران في مسقط بأنها “جيدة جدا”، معتبرا أن طهران أظهرت بقوة رغبتها في التوصل إلى اتفاق جديد.
وجاء ذلك في تصريحات صحفية أدلى بها، الجمعة، على متن الطائرة الرئاسية أثناء توجهه من العاصمة واشنطن إلى ولاية فلوريدا.
ورحب ترامب بانعقاد الجولة الأولى من المفاوضات بين واشنطن وطهران في العاصمة العمانية، وقال إن المباحثات جرت بين “ممثلين رفيعي المستوى”، في إشارة إلى فريق التفاوض الأمريكي الذي ضم مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، إضافة إلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وحذر ترامب من أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق فإن “العواقب ستكون قاسية جدا”، مضيفا: “وبناء على ذلك، الجميع يعرف أوراقه”.
وكانت المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران قد انتهت الجمعة في العاصمة العمانية مسقط، وسط تصاعد حدة التوتر بين البلدين، بالتزامن مع حشد عسكري أمريكي في المنطقة ضد طهران.
وترى إيران أن الإدارة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي تختلقان ذرائع للتدخل العسكري وتغيير النظام فيها، وتتوعد بالرد على أي هجوم عسكري حتى لو كان محدودا.
وفي الوقت نفسه، تتمسك طهران برفع العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة عليها مقابل تقييد برنامجها النووي.