بدأت حركة الاستعمار بداية بحركة التوسُّع الجغرافي على حساب الأراضي المجاورة فما بعدها وما دونها وما حولها، لتشكل الامبراطوريات الأولى في العالم القديم. حركة طبيعية في خدمة “الإنسان المتفوِّق” القوي، الذي أسَّس عبر القوة نفوذه السياسي إلى ما خلف حدود القبيلة أو المدينة، لتصل إلى ما خلف البحار والمحيطات فيما بعد مع عصر الاكتشافات بداية من القرن الـ14م.
ساهمت فيما بعد الرأسمالية الجديدة في توسُّع نفوذ الغرب الأوروبي، حيث القلب النابض للعالم الحديث الوارث من تاريخ الحضارة القديمة الإغريقية الرومانية عقلية التفوُّق المادي والمركزية العلمية، مقارنة مع عقلية الشرق الدينية الروحية، فكانت الاستعمار القديم الجديد وزمن تقسيم العالم بين القوى التي ورثت العالم ما بعد الاكتشافات القارية، لاسيما القارة الأمريكية.
الغرب الأوروبي الشرقي لمَّا ابتلع الغرب الأمريكي الغربي، لم يحوله فقط إلى زائدة دودية في جسد الغرب الرأسمالي الحديث، بل نقل “الغرب البعيد” إلى قلب حضارة الرأسمالية الحديثة بعد أقل من قرنين بفضل المخترعات والاكتشافات العلمية التي ساهم فيها البحث عن الذهب بعد مساهمة حملة البحث عن سوق البهارات من بلدان الشرق والجنوب الشرقي.
حربُ الجزر، ستكون عنوانا للمستقبل القريب
كما ساهمت سوق النخاسة البريطانية أيام التجارة المركانتيلية زمن العهد الفيكتوري، في نقل الغرب البعيد إلى أقرب نقطة من تلاقي الغرب القديم من الغرب الجديد: تلاقح الحضارتين التي هي في الواقع استمرار لحضارة واحدة: حضارة الغرب وقيمه القديمة الجديدة التي ستنقل ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى “الغرب البعيد”: الولايات المتحدة بعد تحررها من النفوذ البريطاني سنة 1776م وما نجم عنها من تأسيس نظام مضادّ للعبودية والفاتح لأبواب الربح والحريات الجديدة التي نقلها العقل الأوروبي إلى الشمال الأمريكي انطلاقا من بريطانيا وفرنسا أساسا، فيما كان الجنوب يستقبل توسع نفوذ بلدن أخرى من إرث ما بعد العصر الروماني: اللاتين، منها اسبانيا والبرتغال اللتين تزعَّمتا لفترة طويلة العالم، بل وتقسيمه طولا من أعلى إلى أسفل عبر خطين وهميين يفصل أحدهما الأمريكيتين عن
أوروبا وإفريقيا وهذا منذ 1297م، لتكون هذه الحدود أكبر وأقدم حدود بين قارتين، لازالت آثارها قائمة إلى الآن غربا: سبتة، مليلة، جبل طارق.
أمريكا اليوم، وهي تخوض حربا ضروسا من أجل إبقاء قوتها وهيمنتها ونفوذها عالميا، ومع عصر نمو وانفجار قوة الليبرالية الجديدة التي لا تؤمن بالحدود “الوهمية” بين الدول ولا بالسيادات الضيقة والتي تبحث عن سوق عالمية “حرة”، هي من تديرها بلا منافس ولا منازع، تجد نفسها تغرق في تفاصيل البقاء كقوة وحيدة مهيمنة في ظل تنامي التنافس القاري والدولي.
عودة الحديث عن رغبة
ترامب في شراء جزيرة بأكملها “جزيرة
غرينلاند” من دول تمتلكها تاريخيًّا منذ تاريخ الاستعمار والتوسع القديم، دولة تبعد عن الجزيرة الجليدية البيضاء دائما، الخضراء لفصول مؤقتة، الغنية بالثروات المعدنية النفيسة، لم تنطلق من لا شيء، بل انطلقت من فكرة بوتين قبل أكثر من عام ورغبته في استعادة ولاية آلاسكا من الولايات المتحدة والتي باعتها لها الإمبراطورية الروسية سنة 1867م بعد انتصار الفيدراليين في الحرب الأهلية.
النزوعُ إلى التوسع واستعادة النفوذ، سيكون أكبر محرك للتاريخ القريب، لاسيما مع جزيرة
تايوان التي لا ترغب الولايات المتحدة والغرب ومنها بريطانيا صاحبة الإرث والملكية الاستعمارية التاريخية لها، في أن تنضمَّ إلى
الصين، باعتبارها مركز الصناعات الدقيقة الذكية وقطبا اقتصاديا ومركزا تنافسيا استراتيجيا للغرب على البوابة الجنوبية للصين القوة القادمة المنافسة للغرب كله.
حربُ الجزر، ستكون عنوانا للمستقبل القريب.
الشروق الجزائرية