مقالات مختارة

ربع القرن الممتنع على كل التوقعات

مالك التريكي
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
لمضي القرون تحولات أو انعطافات، ولانقضاء عقودها الأولى تعرجات أو تموجات هي مما يسترعي بعلاماته انتباه الدارسين والمؤرخين. لا بالمعنى البعدي فقط، بل وبالقبلي (أي الاستشرافي) أيضا. لهذا فإن المفكر السياسي الحصيف ريمون آرون سخّر الأشهر الأخيرة من حياته لرصد هذه العلامات بتأليف كتاب عن مآلات العلاقات الدولية نشر بُعيْد وفاته عام 1983 بعنوان «أعوام القرن الأخيرة».

ولقد قاده إمعان النظر إلى القول بأن ما يهدد العالم خطران. أحدهما وجودي، ولكنه ضعيف الاحتمال: الحرب النووية الشاملة. والثاني خطر يُحْدِق بالحرية في أوروبا الغربية تحديدا: هو نزعتها السلمية التي تجعلها عرضة للهزيمة العسكرية والتبعية الاستراتيجية (وهذا ما قد ثبت اليوم بوضوح، حيث لا حول لأوروبا ولا قوة أمام روسيا البوتينية وأمريكا الترامبية، ولا اعتبار لها في رؤيا العالم الصينية). وتعليل آرون لهذا الوضع هو أنه «يَعْسُرُ في الديمقراطيات أن تُنقَذ الشعوب رغما عنها»! أي أن شعوب أوروبا الغربية التي استَمْرَأت رغد العيش في ظل سخاء دولة الرعاية الاجتماعية لم تعد تتحمل مجرد الحديث عن وجوب الإنفاق على التسلح والاستعداد للقتال وبذل الأنفس، حتى لو كان الخطر (العسكري والسيبراني الروسي) المحدق بها حقيقة لا خيالا.

كما أن الصحافي المؤرخ أندري فونتان الذي عمل في لوموند منذ بدايات تأسيسها منتصف الأربعينيات، وتدرج في جميع مناصبها القيادية حتى تقاعده عام 1991 (من الوظيفة، وليس من الكتابة العميقة الأنيقة التي ظل يتفنن فيها من مقال إلى آخر حتى آخر حياته) قد نشر عام 1976 كتابا بعنوان «ربع القرن الأخير» حاول فيه قراءة ما سيؤول إليه، بحلول عام ألفين، الوضع الدولي الذي كانت تخيم عليه آنذاك الحرب الباردة «المجمدة» بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، كما كانت تلتمع في أفقه إرهاصات الصعود العسكري الباكر للصين (أي نعم!) على نحو أتاح له توقع أن تصير بمثابة إسبرطة الجديدة.

وكان الرأي عند فونتان أن ديناميات العلاقة بين هذه القوى الثلاث ستكون هي العامل الحاسم في تحديد مصير القرن العشرين. ولو كان من المجازفين لأمكنه أن يضيف، صائبا، أنها ستكون العامل الحاسم أيضا في تحديد مصير الربع (إن لم يكن النصف) الأول من القرن الحادي والعشرين! لهذا قال أحد النقاد إن ما فعله المؤرخ يضاهي ما فعله ذلك الخيّاط الروماني الصغير الذي نجح، على شدة صعوبة الأمر، في أخذ المقاسات الصحيحة للزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف! أي أن فونتان أخذ آنذاك المقاسات الصحيحة للقوى العظمى الأمريكية والروسية والصينية بما يتيح لنا اليوم رؤيتها على هيئاتها وأحجامها الحقيقية.

أما المحاضرة التي ألقاها باحث الاقتصاد الرائد جان فوراستيي يوم 10 أبريل 1975 أمام جمعية الإحصائيات في باريس، فقد كانت من جنس آخر تماما، ولو أنها وُسمت بالعنوان ذاته: «الربع الأخير من القرن العشرين». وقد عرض فيها الخطوط العامة لتطور المجتمعات الغربية، محددا عاملين حاسمين: الأول يفضي إلى العقلانية وصواب التوقع والتخطيط، وهو تقدم تقنيات الإنتاج الناجم عن تقدم العلوم التجريبية. أما الثاني فهو يفتح على أحداث لاعقلانية تبقى عرضة للأهواء وللعفوية، وحتى للتهور، بما يتحدى كل قدرة على التوقع: إنها النوازع الغريزية التي تزخر بها الديموغرافيات، والقوميات، والإيديولوجيات، وشتى العصبيات والتعصبات.

ويقرر فوراستيي أنه منذ أن أخذت العلوم التجريبية تضع في متناول القرارات الإنسانية القوة الهائلة للتقنيات والآلات والطاقات الميكانيكية والنووية، فإن إنجازات البشر، الفردية والحكومية، وأخطاءهم قد تضخمت إلى حد منح عصرنا طابعا محموما ومُشِطّا تتجاوز أبعاده، بما لا يقاس، كل القرون الماضية. من ذلك أن من الحكام من يستطيع اليوم ترهيب قارات بأكملها، بل واستعبادها. كما أن التزايد، منذ قرنين، في أعداد ضحايا الحروب الأهلية والإقليمية والثورات والمحاكمات السياسية يقدم مثالا على تضخم عواقب قدرات البشر: حيث بلغ عدد القتلى والمصابين في الثورة الفيتنامية مائة أمثال قتلى الثورة الفرنسية وجرحاها، كما كان الترهيب الذي شنه روبسبيار من جنس الصناعات التقليدية قياسا بالترهيب الستاليني.

استنتاج فوارستيي هو أن التقدم التقني الدائم سوف يمضي في التضخيم المستمر لعواقب أفعال البشر، طابِعا الحياة الاجتماعية والسياسية، داخليا ودوليا، بطابع اللا-استقرار الذي سوف يجعل الوضع السياسي للعالم في الربع الأخير من القرن العشرين (وكم كان جديرا به أن يضيف: «ولا سيما في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين») عصيا ممتنعا على كل التوقعات.

القدس العربي
التعليقات (0)