تناقضات مقلقة.. جراء القلق

عمار يزلي
حساب البيت الأبيض
حساب البيت الأبيض
شارك الخبر
الموقف الأمريكي المقلق، وغير المستقر، بشأن القضايا الدولية وحتى الداخلية، يشير إلى شيء واضح فعلا: لا وجود لاستراتيجية ثابتة مدروسة، مبنية على معطيات مدققة تخضع لتقييم مؤسساتي قبل الإقدام على اتخاذ أي قرار. هذا، على الأقل ما يمكن أن نستشفه من السياسة الأمريكية حاليا، ومنذ عودة الرئيس ترمب إلى مقاليد الرئاسية. أكيد، أن المؤسسات ما زالت تشتغل وبكل دقة وكفاءة، لكن هذا لا يكفي في بلد فتح على نفسه بوابات كل الرهانات، حتى تلك التي تبدو “حماقات”.

أمريكا تتغير، ومن الداخل قبل أن تتغير بدواع خارجية. غير أن المؤثرات الخارجية، غالبا ما تقود نحو تكاتف بين العوامل كلها، وهو قانون معروف في العمل السياسي.

لهذا كله، نرى البيت الأبيض، وقد فتح الأبواب على مصراعيها أمام الخلافات بدل الاختلافات، مع الجميع، مع الأصدقاء قبل الأعداد أحيانا. الرئيس ترمب قالها أكثر من مرة: حلفاؤنا يسرقوننا قبل الأعداء، والحلفاء الذين يقصدهم، لا هم العرب ولا المسلمون ولا الخليجيون ولا الأسيويون، بل الأوربيون، وتحديدا حلفاء الحلف الأطلسي. لهذا، أشهر سيف الضرائب في وجه الجميع وفي مقدمتهم حلفاؤه في الغرب الأوروبي، الذين يرى فيهم منافسا اقتصاديا في المرتبة الثانية بعد الصين.

هذه العقيدة السياسية، ليست مبنية على فراغ أو من “فراغ عقل”: عقل غير سياسي لرئيس قادم من خارج العلبة، بل هو عقل ينمو في الولايات المتحدة، كما ينمو في كثير من الدول الغربية الأوروبية: عقل اليمين السياسي والديني، عقل اليمين المحافظ الاقتصادي المتمثل في لوبيهات النيو ليبرالية التي لا تريد أن ترى للدول والحكومات أي دور رقابي أو تحكم في رؤوس الأموال والشركات والاقتصاديات الكبرى ولا حتى السياسة الخارجية والدفاع والأمن: الأمن والسيادة الخارجية في نظر نظرية “الحرية المطلقة” هو أمن البلد اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، الذي لا يمكن أن يضمنه في نظرهم سوى هذه النخب الرأسمالية التي تعمل على التحكم في الخيار القومي في كل المجالات، بما فيها الحرب والسلم.

السلم عندها يعني، مصلحة أمريكا أولا وقبل كل شيء، ولهذا كان شعار ترمب ولا يزال “أمريكا أولا”. هذا لا يعني العودة إلى سياسة الانعزال ما قبل الحرب العالمية الثانية، ولا يعني أيضا مغامرات أمريكا في العالم في عصر بوش الأب والابن من أجل ضمان أمن حلفائها في كل مكان، حتى دويلة الكيان.

هذا الشكل من العقيدة الأمريكية مع المحافظين الليبراليين الجدد، لم يعد يشكل جوهر التفكير السياسي لديهم، إلا لدى بعض النخب السياسية من الجمهوريين الذين لا يزالون يرون في إمكانية إنجاح “العولمة” عبر مساعدة باقي الدول الصديقة و”المنافسة” وحتى “العدو” من أجل الانضمام والالتحاق بالزعامة الأمريكية للعالم. الليبراليون الجدد، يرون أنه لن يفيد أمريكا تدخلاتها لحماية الآخرين الغارقين في الفساد أو الطامعين في سلب الولايات المتحدة بفضل ميزاتها الاقتصادية وانفتاحها الاقتصادي لصالح أوليغارشيات تعيش خارج أمريكا وتستفيد من مزايا الاقتصاد الأمريكي.

هكذا برزت حرب الضرائب مع ترمب ضد الجميع: حرب على الحلفاء أولا ممن يستفيدون أكثر مما يفيدون الاقتصاد الأمريكي: بدأها ترمب مع كندا، والمكسيك ثم انتقلت إلى أوروبا من داخل الحلف الأطلسي، هذا فضلا عن القصف الضريبي المتبادل بين الصين والولايات المتحدة أساسا.

كل هذا، ويستمر القلق الوجودي لدى الولايات المتحدة اليوم، وفي الكيان، وفي كيانات دول أوربية عتيقة، تنهشها الخلافات: أوكرانيا، فنزويلا، إيران، فلسطين، وأخيرا وليس آخرا: قشة “غرينلاند”، التي قد تقصم ظهر بعير “الناتو”.

الشروق الجزائرية
التعليقات (0)