الدفع مقابل العضوية

عمار يزلي
البيت الأبيض
البيت الأبيض
شارك الخبر
إعلان الرئيس الأمريكي، الخميس، عن “تدشين” ما سماه مجلس السلام في غزة، جاء في خضم الفوضى الخانقة التي نجمت عن تدمير غزة برمتها، على قاعدة حروب أيام زمان، آخرها حروب الإمبراطورية الرومانية: بناء مدينة جديدة “على أنقاض المدينة القديمة”. إعادة أعمار غزة هو عنوان عملية “السلام”، التي يريد ترمب إبرامها في الشرق الأوسط وإنهاء حرب أبدية، انتقل فيها القتل والتقتيل والاحتلال من يد إلى يد، وبالإهداء بالتراضي، آخرها كان وعد بلفور المشؤوم.

“مجلس السلام”، هذا الكيان الذي تريد الإدارة الأمريكية أن تستأثر به كمشروع اقتصادي سياسي، يأخذ صفة شركة أمريكية عالمية ذات أسهم، لما للمشروع من صلاحيات إعادة الإعمار المكلفة، التي تتجاوز خمسين مليار دولار. هذا ليس مشروع مارشال، ولا خطة لإعادة إعمار ألمانيا المدمرة في وجه الاتحاد السوفييتي، بل هو مشروع تجاري سياسي أساسه الحفاظ على الكيان قائما، بل ومبرنق الوجه ومعاد التدوير بعد الخراب الأخلاقي الذي لحق بأجهزته كلها، من الرئيس إلى الجندي، في أكبر عملية إبادة وجريمة ضد الإنسانية، في العالم في القرن الـ 21: إبادة جماعية على مرأى من العالم أجمع. إنها عملية تبييض وجه، ساء مثلا وصورة، لدى جيل بأكمله، سواء في أوروبا أم أمريكا: جيل جديد عرف عن وحشية الكيان خلال سنتين ما لم تره أجيال سابقة على مدى 70 سنة: إنها الدنيا والقوانين الدنيوية التي تتحول وتتغير وتفضح وتمسح بالأرض وجه الغرور والكبْر، والغطرسة.

جيل جديد، يرى أن بإمكانه رؤية نهاية الكيان، مكسرا مهشما أو مهمشا ومنكمشا، حتى مع “مجلس سلام” يحميه من زوال الصورة النمطية التي ألصقت به أو اتخذها صورة نمطية له: أيقونة العالم المتحضر الجديد، ما بعد الحرب العالمية الثانية: شعب الله المحتار في مستقبله ووجوده وحياته، ضحية معاداة السامية والنازية عدوة الإنسانية.
تتنصر القواعد على القوانين، ويبدأ عصر القوة وفرض الأمر الواقع بالقوة، سواء كان قوة عسكرية أم حصار اقتصادي أم عقوبات، وأحلاهما مر.

ها هو اليوم ضحية الأمس يقترف ما لم يقترفه أحد من العالمين، لا في حقهم ولا في حق غيرهم، ويبيد بدم بارد شعبا أعزل، محاصرا ومجوعا، ويقصف ويقتل الأطفال بلا رحمة ولا شفقة، تحت مظلة تحميه من أي رقيب أو حسيب وبدعم سخي لا يقدمه إلا الأكرمون أبناء الأكارم. كل هذا في وجود “مجلس أمن” لا أمان فيه ولا به. مجلس وظيفته الأمن، وتحول إلى مجلس حروب، تتحارب فيه الأطراف الداخلية قبل حروب الأطراف الخارجية.

تتنصر القواعد على القوانين، ويبدأ عصر القوة وفرض الأمر الواقع بالقوة، سواء كان قوة عسكرية أم حصار اقتصادي أم عقوبات، وأحلاهما مر.

“مجلس السلام”، كما سماه ترمب، الذي لم تعلن إلى حد الآن أي دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن عن الرغبة في انضمامها إليه من غير الولايات المتحدة، سيجد صعوبة في ضم كبار الاقتصاديات، وسيقتصر الأمر على دول غنية بلا قوة، باعتبار الهدف هو تمويل الإعمار، ومن لا يملك، لا يجلس ولا يحق له الانتفاع من مشروع إعادة الإعمار والاستثمار، فالمجلس هو مجلس إدارة شركة عالمية في مجال العمران والسكن.

الكيان، الذي قبل بالمشروع ضمنيا، يجاهر بأنه ضد مشاركة بعض الدول، ومنها قطر وتركيا، ويزايد على المرحلة الأولى، رغم أنه لم يبق منها إلا جثة نافقة خلف خط النفاق الأصفر، الذي يريد الكيان أن يتسع أمده ومساحته لإطالة عمر الخروقات في زمن يسمى “وقف إطلاق النار”.

مليار دولار، لكل من يرغب في الانضمام إلى “شركة السلام للإعمار والتجارة والمناولة”، ضمانا لسلام لن يكون فعليا إلا بإقامة دولة فلسطين الوطنية.

الشروق الجزائرية
التعليقات (0)

خبر عاجل