كل السيناريوهات اليوم باتت مفتوحة على المحتمل، ما لم يحدث غير المحتمل: طبول الحرب التي تقرع شرقا وغربا ووسطا وشمالا وجنوبا، مصادرها ليست من فراغ، وجعجعة طواحينها ليست بلا رياح، فكل الرياح تتجه بما لا تشتهيه سفن العالم إلا سفينة الإدارة الأمريكية.
الولايات المتحدة، المتحكم اقتصادها عبر الدولار في العالم، بدأت تشعر بأن الدولار قد بدأ في التآكل جراء ظهور أسواق وتكتلات اقتصادية كانت هي السبب مع حلفائها التقليديين في الغرب ـ سابقا ـ في التسبب فيه، بعد العقوبات الشاملة على روسيا ثم الصين ثم باقي الدول المتحالفة مع هذا الثنائي.
الدولار الذي بدأ يفقد بريقه في الأسواق، لاسيما الشرقية بعد أن دخلت عدة دول في التعامل بعملاتها المحلية ضمن التبادل الاقتصادي، سوف يكون أكبر مهدد للاقتصاد الأمريكي، تضاف إليه كل البهارات التي أضافها الرئيس ترمب، بعد توليه الرئاسة للمرة الثانية، إلى قِدْر الاقتصاد العالمي:
الضرائب الضخمة والشاملة، التقييدات الداخلية حول الهجرة، المطالبات بأراض خارج خريطتها، قلب الأنظمة في دول مجاورة وبعيدة، أو تغيير قيادتها أو الضغط عليها لتليين سياستها عبر التهديد باستعمال القوة أو العقوبات الصارمة، حتى ضد من يتعاملون معها من أشخاص وشركات ودول.
كل هذه البهارات التي أضيفت إلى “حساء” مائدة ترمب، قد تكون “العشاء الأخير” للدور الأمريكي في العالم. العالم يتغير، وبسرعة، وإقدام دول عظمى على استباحة أملاك الغير والمطالبة بما ليس لها، وتهديد حتى الحلفاء التقليديين، تشير إلى أن واشنطن لم تعد تملك صديقا موثوقا، وبالتالي، عملتها واقتصادها مهددان نتيجة انهيار هذه الموثوقية، ولا غرابة في أن نرى مستقبلا نزوحا اقتصاديا نحو الاقتصاديات الأكثر ضمانا وانفتاحا، حتى في الصين “الشيوعية” ذات الحزب الواحد، أو في روسيا التي تصور على أنها دولة الرجل الواحد.
الولايات المتحدة تتجه إلى الأوتوقراطية، وهذا ما قد يفضي إلى انفضاض شراكتها التقليدية مع أوروبا، وانتهاء عصر التحالفات لها في باقي أرجاء العالم، ومنها منطقة الخليج. عنوان ذلك واضح اليوم: الولايات المتحدة التي تخشى ضياع نفوذها المالي والاقتصادي عبر النفط، تسارع الخطى نحو تهديد كل الدول النفطية “غير الخاضعة”، وتريد إخضاع أسواقها النفطية للشركات الأمريكية وللدولار، وقد نجحت إلى حد الآن نسبيا في إرغام رئيسة
فنزويلا بعد مادورو، على تنازل الدولة عن احتكار سوق النفط في فنزويلا، بما يعني أن شركات نفطية أمريكية ستعود إلى فنزويلا للتحكم في هذا القطاع أو على الأقل تؤثر فيه، بما يضمن لها سوقا نفطية مستقرة ودولارا مستقرا. نفس الشيء، تريد أن تفرضه في إيران.
غير أن هذه الأخيرة متهمة بكل الموبقات السياسية، في نظر المعيار الأمريكي، من دعم لمادورو، إلى دعم حركات المقاومة في فلسطين واليمن ولبنان والعراق، إلى تهديد الكيان، تبقى إيران القوة الوحيدة في المنطقة التي تهدد فعلا وجود الكيان وجوديا. لهذا، الضغط سيكون قويا هذه الفترة على إيران، من أجل المساومة على خفض عدد ومسافات الصواريخ الباليستية، مع فرض اتفاقية نووية على إيران، من شأنها تخفيض تخصيب اليورانيوم إلى أدنى مستوى، وتسليم مخزونها الناجي من الضربة الأمريكية السابقة على منشأتها النووية، إن بقي مخزون.
كل هذا، تمهيدا لإضعاف إيران وتقوية الكيان في المنطقة، ليبقى هذا الكيان دركي المنطقة، ممثلا شرعيا ووحيدا للولايات المتحدة، بل وقاعدة عسكرية متقدمة تتوسط دول الشرق الأوسط. لهذا، سنرى تصعيدا في المنطقة عبر الضغط الدبلوماسي أولا، لكن كل الأبواب الآن مفتوحة على المجهول المعلوم.
الدستور الأردنية