المهنة "مؤثر"!

عبد الناصر بن عيسى
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
يختار بعض الناس مجالات خاصة ليتسربوا إليها، يمارسون “تفاهاتهم وعقدهم”، مستغلين سذاجة البعض ولا مبالاة آخرين، فتظهر “مِهن” ما أنزل الله بها من سلطان، فهذا يزعم أنه راق بإمكانه أن يداوي الأمراض المستعصية، أو خبير في ما يسمى التنمية البشرية، وهو لا يمتلك من الشهادات غير شهادة ميلاده، وذاك يصف نفسه بالأديب أو السياسي كما توهّم بينه وبين نفسه، قبل أن يظهر “مؤثرون” هم في الحقيقة لا يؤثرون حتى على أنفسهم.

سيوضع على طاولة البرلمان، كما قيل، قريبا، مشروع قانون جديد ينظم نشاط المنصات الرقمية، وإذا كان صاحب الفكرة قد ركّز على حماية الأطفال القصّر والمجتمع عموما من المنصات التي تسيء للآداب العامة، وتدعو للعنف والجهوية وما شابه ذلك، وهو أمر نثمّنه بالتأكيد، فإن محاربة التفاهات وملأ الفراغ بالفراغ، صار أمرا مستعجلا، حتى لا نقدم محتوى “فارغا”، لأبناء غالبيتهم هجروا الكتب والقنوات الجادة، وصاروا يأخذون معلوماتهم من منصات “التيك توك والإنستغرام واليوتيوب والفايس بوك”، وأن ينام أطفالنا وشبابنا نوما عميقا، أحسن لهم من أن يتابعوا رجلا يزعم من دون دين، أنه رجل دين، أو طباخة تقدم أطباقا، هي في الحقيقة مرض مركّب، أو حتى محلل رياضي لم يلعب رياضة في حياته.

لقد أصبح افتتاح المنصات المسماة مجازا قنوات، مهنة من لا مهنة له، وأحيانا مهنة الذين فشلوا في دراستهم وفي الحرف التي امتهنوها، وبكثير من الإصرار أو “صحانة الوجه” يطلّ عليك هذا أو تلك ويفرض أو تفرض عليك المتابعة والإعجاب، وقد تجد نفسك مجبرا على متابعة تافهة، تحرر بعدها ردا وانتقادا وزجرا، هو في الحقيقة مضيعة للوقت وللجهد في عالم فضائي، ليس مشكلة أن يُراقب كما هو الحال في دول كثيرة، حتى لا يضيع فيه الأطفال والشباب وحتى الذين بلغوا من العمر “تكنولوجيا”.
هناك مؤثرين أو هكذا يُسمون، يخوضون في كل شيء

في بلاد متطورة في مختلف القارات، لا يمكن لأي إنسان أن يزعم بأنه خباز أو حداد أو إسكافي أو سائق سيارة أجرة، حتى ولو امتلك محلات الخبازة والحدادة وخياطة الأحذية وسيارات كثيرة، فكل مهنة أو حرفة، تتطلب إضافة إلى الخبرة و”الاحتراف” والشروط المادية والإدارية، تكوينا خاصا، يتوّج بشهادة تسلّم من أهل الاختصاص. والتكنولوجيا من المفروض أن تساهم في تنظيم مختلف المهن، لا أن تفتح باب الفتوى وتحليل مباريات الكرة وإسداء النصائح النفسية والدراسية والأخلاقية والترويج للسياحة وتعلم اللغة الإنجليزية وتقييم برامج الطبخ، لأيّ كان، من دون أن يقدم هذا الذي يسمي نفسه أو تسمي نفسها “مؤثر” أو “مؤثرة”، شهادة تثبت تمكنه واطلاعه على ما يقدمه.

هناك مؤثرين أو هكذا يُسمون، يخوضون في كل شيء، أحدهم تحدث عن الجيوش الأعظم في العالم، وأعطى رأيه غير السديد، وآخر قال إن الموسيقى الكلاسيكية لشوبان وباخ تسبب الإزعاج والضجر، وإحداهن قدمت نصائح طبية للائي بلغت الأورام الخبيثة من أثدائهن المرحلة الأخيرة، والأدهى من ذلك أنها قالت إن النصيحة من اجتهادها وليس لأي طبيب عالمي دخل فيها، وهي، بحسب مستوى طرحها، دون التعليم الثانوي.

بالتأكيد طعن القيم والأخلاق هو جريمة لا تغتفر، لكن أن نترك أيّا كان يفتتح شاشة للرغي، وتحويل الفضاء الأزرق إلى مقهى شعبي أو سوق أسبوعي أو حمام نسائي، حتى لا نقول ملهى أو طاولة قمار، فذاك ما يجب الخوض فيه على الأقل.. وذلك أضعف الإيمان.

الشروق الجزائرية
التعليقات (0)