هم من قالوا إن عدد الأطفال المختطفين والمغتصبين في جزيرة الشيطان جيفري إبستين، الكائنة في قلب بلاد الديموقراطية والحريات
الولايات المتحدة، قد بلغ لحد الآن 1500 من البراءة، من تقل أعمار بعضهم عن التسع سنوات.
هم من قالوا على لسان كبيرة الخدم في جزيرة الشيطان أن دهاليز الموت ومطابخ لحوم البشر وحُفر إطعام سمك القرش من “أطباق” البشر، ما كان لها عدّا ولا حصرا.
هم من قدموا رجالات مال وسياسة وأعمال وفن وثقافة وعسكر كمتهمين بالدليل الصوتي والصُوري مع سبق الإصرار والترصد في هذه الجرائم التي يشيب لهولها الجنين، من مازال في بطن أمه.
من الشهود طباخة المتهم وطبيبته وطياره الخاص، ومع ذلك ما سمعنا عن أحكام، عن عدالة، عن تهم، ولا حتى عن نية لجرّ هؤلاء الذين شاركوا في وضع وأخطر جريمة في تاريخ الإنسانية إلى التحقيق، وهم الذين بنوا ذات سنوات، محتجزات غوانتانامو وأبوغريب، وهاجموا دولا وأعدموا زعماءها، بل إنهم منذ كذا يوم، اختطفوا رئيس دولة، وقالوا إن “العدالة” لن ترحمه.
تتهاطل الاعترافات من الطباخة الرئيسية للجزيرة النجسة، إلى الطبيبة الخاصة بالشيطان إبستين، إلى طياره الذي ينقله من الأسفل إلى الأعلى، وجميعها تذكر الأهوال التي حدثت، وهي لا تخص اغتصاب مئات الأطفال فقط، وإنما جرائم التقتيل الوحشي مع تحويل لحوم القتلى إلى أطباق للتذوق، إلى إطعام أجساد القتلى للأسماك العملاقة، وسرقة أعضاء الناس، طمعا في العبقرية والخلود أو تقربا من الشيطان. ومع ذلك بقيت هذه الشهادات مجرد “ترندات” و”وثائقيات” تروي حوادث، وكأنها وقعت في كوكب آخر، أو في أزمان أخرى.
لا يمكن لأي قاض على وجه الأرض، أن تتوفر له أدلة إجرام مهولة كما توفرت في فضيحة إبستين، ولا يمكنه أن يحصل على أدلة تجعله يضع قدما على قدم، من دون مرافعات محامين وتقارير الطب الشرعي، والتماسات النيابة، وهو يصدر حكمه “بالشنق” من دون أن يطلب مداولة أو ينتظر مزيدا من التحقيقات.
الذي يؤمن بديموقراطيتهم وبحرياتهم، إنما يمنحهم مزيدا من الحرية ليعيثوا في الدنيا خرابا
يذكر العالم يوم قال الرئيس الأمريكي بوش الأب إن صدام حسين يمتلك سلاحا مدمرا، ويذكر العالم كيف قام بوش الابن متكئا على رأي أبيه بجرّ الأمم المتحدة ونصف بلاد العالم، لمشاركته في احتلال العراق والتسبب في مقتل أكثر من مليون من أبناء البلاد، وإتلاف جغرافية وتاريخ موطن الحضارات، ويذكر العالم كيف قال خلفاء بوش بعد أن تم إعدام صدام حسين وتدمير العراق: “إن صدام حسين لم يمتلك أبدا سلاحا مدمرا”.
وحتى لا نغوص في قلب التاريخ، فإن الرئيس الأمريكي الحالي اتهم رئيس فنزويلا ببيع شعبه المخدرات، ومن دون أن يقدم دليلا واحدا أو يستعين بشاهد واحد، قام باختطاف الرجل وزوجته، وقرر أن يحاكمه بالقانون الذي يريده.
الذي يؤمن بديموقراطيتهم وبحرياتهم، إنما يمنحهم مزيدا من الحرية ليعيثوا في الدنيا خرابا.
فقد فعلوها في غزة، فما تركوا إنسانا أو حيوانا أو نباتا أو جمادا إلا وأبادوه، وهم الآن يبيدون قطرة الأخلاق الإنسانية التي بقت، من دون عقاب.
في قضية جيفري إبستين، توفر المتهمون والأدلة القاطعة صوتا وصورة وفيديوهات تتحرك، وعظُمت الجرائم بأرقام مهولة وببشاعة غير مسبوقة وتوفر شهود عيان من المقربين جدا من المتهمين بين طبيب وطباخ وطيار، وتغير المتهمون بين رئيس وحاكم وعالم وفنان ورئيس موانئ ومستشارين في الهيئات الدولية الحقوقية والخيرية، وتوفر المكلومون من عائلات الأطفال الضحايا بالآلاف، وتوفر قرار الإحالة وسرد الفظائع بالتفصيل الممل والمُقرف، وتوفر آلاف المحامين من كل قارات العالم المستعدون للمرافعة، وتوفرت التهم الثقيلة والمفزعة.. عنصر واحد تخلف عن الموعد هو القاضي.. هي “عدالتهم”!
الشروق الجزائرية