غزة وفضيلة النُخب

هديل رشاد
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
لم تُسمّ غزة الكاشفة من فراغ، ولم تكن يومًا تفصيلًا عابرًا في سجل هذا العالم المضطرب. غزة هي الرافعة والخافضة، الميزان الذي يفضح أكثر مما يشرح. كل ما يجري حولها يبدو في الظاهر وكأنه يسير عكس هواها: حصار، حرب، خذلان، وصمت دولي ثقيل. لكن ما يحدث في العمق ليس عليها بل معها، لأنها في كل مرة تُجبر العالم على مواجهة تناقضاته كما هي، بلا مساحيق تجميل ولا أقنعة.

وقد يكون ملف جزيرة جيفري إبستين نموذجًا فاضحًا لحقيقة الغرب، ليكشف الهوة بين ما تُعلنه حضارة القيم عن نفسها، وما تمارسه فعليًا عندما يُختبر ميزان العدالة والأخلاق. ما كُشف عن جزيرة إبستين وشبكته لا يندرج في خانة انحرافات أخلاقية عادية. نحن نتحدث عن منظومة استغلال جنسي منظّم، اغتصاب قاصرات، اعتداءات ممنهجة، وشبكة استدراج وتواطؤ.

شهادات الضحايا والتحقيقات تتحدث عن ممارسات وحشية، إذلال، وتحويل أجساد الأطفال إلى ساحة متعة لنخبة تمتلك المال والنفوذ والعلاقات. هذه ليست جريمة فرد واحد، بل بنية كاملة سمحت بتكرار الجريمة وحمت مرتكبيها وأخّرت وصول الحقيقة إلى العلن.

الأبشع في هذه القصة ليس فقط ما جرى في “مسلخ” جزيرة إبستين، بل الطريقة التي جرى بها التعامل معه لاحقًا. بدلاً من أن تتحول القضية إلى لحظة مساءلة أخلاقية وسياسية شاملة وإدانة لا مواربة فيها، أُعيد إدخالها إلى قنوات ضيقة: إجراءات، تنقيح وثائق، حجب أسماء، جدل قانوني طويل حول ما يُنشر وما لا يُنشر. كأن المشكلة ليست في الجريمة نفسها، بل في كيفية إدارتها إعلاميًا وقضائيًا بأقل كلفة ممكنة على صورة النظام ونخبه.
هنا تظهر غزة بوصفها الكاشفة: تكشف الجانب المظلم من الحضارة الغربية

المفارقة أن الغرب الذي يتعامل مع فظائع إبستين بوصفها قضية جنائية معقدة تحتاج وقتًا وإجراءات وحذرًا لغويًا، هو نفسه الذي لا يتردد في إطلاق أقسى الأوصاف على مقاومة شعب تحت الاحتلال منذ قرابة 76 عامًا. جرائم اغتصاب الأطفال والتلذذ بإذلالهم لا تُوصَف في الخطاب السياسي الغربي بأنها “إرهاب”، ولا تُقدَّم كمنظومة رعب منظم، أما مقاومة تقاتل في ساحة معركة دفاعًا عن أرضها، فتُختزل في كلمة “إرهاب”، وتصبح مبررًا لاستباحة أراضيها وقتل أبنائها تحت بند “محاربة الإرهاب”، في حين أن ما حدث في جزيرة إبستين يتم التعامل معه بوجهة نظر رسمية محدودة.

الفارق هنا ليس في حجم الألم أو بشاعة الفعل، بل في هوية الفاعل وموقعه من ميزان القوة. من ينتمي إلى دائرة النفوذ تُمنَح جرائمه رفاهية الشرح والتحليل والتأطير الإجرائي، ومن يقف خارجها يُجرَّد حتى من حق السرد، ويُقدَّم في صورة واحدة مسطّحة تصلح للاستهلاك السياسي والإعلامي.

حق الشعوب في تقرير مصيرها والدفاع عن أرضها مبدأ أكّدته الأمم المتحدة وتجارب تاريخية عديدة، لكن هذا لا يمنح أي طرف حصانة مطلقة، لكنه يوضّح أن مقاومة الاحتلال له سياق سياسي وقانوني خاص لا يمكن تجاوزه ببساطة، ومع ذلك، حين تكون القضية فلسطينية، يُغلق هذا السياق، ويُستبدل بخطاب مترهل، وأحيانا يساوى بين الضحية والجلاد، بدلا من أن ينحاز إلى الضعيف لعدالة قضيته.

هنا تظهر غزة بوصفها الكاشفة: تكشف الجانب المظلم من الحضارة الغربية، التي تماطل في محاسبة نخبها، لكنها تتشدد إلى أقصى حد عندما يتعلق الأمر بشعب يطالب بحقه في أرضه وحريته. الأخطر من ذلك أن هذا المنطق لا يبقى حبيس السياسة، بل يُعاد إنتاجه في وعي الجمهور، ليُعاد تشكيل الحسّ الأخلاقي نفسه على مقاس القوة، لا على مقاس العدالة.

ملف إبستين، حين يُقرأ من زاوية غزة، لا يعود مجرد قصة سقوط أخلاقي فردي أو شبكة منحرفة، بل يصبح شاهدًا على خلل أعمق في طريقة المحاسبة والإدانة في هذا العالم، عالم يغضّ الطرف طويلًا عن اغتصاب الأطفال حين يكون الفاعلون من علية القوم، لكنه يرفع صوته عاليًا حين يحاول شعب أن يقرر مصيره في أن يحيا حرًا على أرضه.

ختاما..
في النهاية، علينا أن نسأل من يملك حق تعريف الجريمة؟ ومن يملك سلطة تحديد من هو المجرم؟ طالما بقي هذا الحق مرهونًا بميزان القوة، سيبقى العالم بوجهه المزيف يحدّثنا عن الفضيلة، بينما يجبرنا على أن نتعايش مع أبشع الفظائع حين تصدر عن «النخب».


الشروق القطرية
التعليقات (0)