من غزة إلى إبستين… كيف سقطت «القيادة الأخلاقية» للغرب؟

عبد الله الشايجي
جيتي
جيتي
شارك الخبر
يحاجج مقالي أن المشترك بين حرب إبادة إسرائيل على غزة، وما تكشفه فضائح إبستين-وسقوط أقنعة الأخلاق والقيم، التي تكشف الخلل البنيوي في طبيعة السلطة في النظام العالمي اليوم. نظام نخبوي يسحق الضعفاء ويبرر العنف وازدواجية المعايير لضروريات المصلحة العليا.

والواضح أن القوى الغربية تدين الجرائم عندما يرتكبها خصومهم وخاصة الدول التي تتحدى هيمنتهم، وآخرها مادرور-فنزويلا. لم يتورع ترامب عن خرق سيادة الدولة والحصانة الرئاسية وخطف مادورو والسيطرة على نفط فنزويلا (تملك أكبر احتياطي نفط في العالم) وإدارة البلاد والعباد، وتنصيب نفسه قائما بأعمال الرئاسة الفنزويلية، في خرق صارخ للقانون الدولي والأعراف الدولية الراسخة.

تُعرّي وتفضح حرب إبادة غزة وفضائح إبستين ازدواجية المعايير وانكشاف البنية الأخلاقية الزائفة للنخبة الحاكمة في الغرب. هذا السقوط الأخلاقي المدوي بين الحدثين المتفاعلين: التورط في فضائح إبستين في الداخل ودعم حرب إبادة ضد أبرياء عزل في غزة، أمام المجتمع الدولي، يُفقد الغرب مصداقيته ومحاضراته، وتنصيب نفسه حامل لواء ومرجع القيم والأخلاق وحقوق الإنسان وسيادة القانون وحماية الأطفال والنساء وتمكين المرأة.

كشفت حرب إبادة غزة، بدعم أمريكي وغربي بالتوازي مع فضائح جيفري إبستين وشبكات الاستغلال الجنسي للنخبة السياسية والمالية لكبار المسؤولين: رؤساء ورؤساء وزراء وأمراء وأعضاء أسر حاكمة أوروبية-باستثناء إسرائيل، وأصحاب النفوذ والمال والأعمال عن خلل بنيوي بازدواجية المعايير. تسمح للمسؤولين وأصحاب النفوذ بخرق القوانين والأعراف والقيم، وتحصنهم بالقوة والنفوذ، بتسييس القضاء وحمايتهم من المحاكمة والمساءلة، والإفلات من العقاب. وهكذا بات واضحاً-النخب الحاكمة بأنظمة ومتنفذين وأثرياء ولوبيات فوق القانون داخل دولهم وفي علاقاتهم وتجاوزاتهم، وحتى تجرؤهم على تبرير خرق القوانين.
تُعرّي حرب إبادة غزة وفضائح إبستين ازدواجية المعايير وانكشاف البنية الأخلاقية الزائفة للنخبة الحاكمة في الغرب

وبينما يشيطن ويفرض الغرب عقوبات على روسيا ويقاطع نفطها وغازها وتعلق عضويتها في الألعاب الأولمبية والمحافل الرياضية العالمية لغزوها أوكرانيا، تنجو إسرائيل من سلسلة المجازر وقتل الأبرياء وتشريدهم وقصفهم وحصارهم واستخدام التجويع سلاحاً في حرب إبادة لحوالي عامين ونصف دون أي عقوبات ومقاطعة رياضية..

وما نشهده من تجاوزات في الداخل الأمريكي بقبضة حديدية ضد الأقليات واعتقال حتى مواطنين أمريكيين، وفي الخارج من تجاوزات وتقييد للحريات، يؤكد إفلاس النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة والغرب، وفقدان القيادة الأخلاقية بعد انتهاكاتها الموثقة في أفغانستان والعراق وبوغريب ومعتقل غوانتنامو وغزة.

هذا يشجع نتنياهو على تجاهل القوانين والأعراف وسيادة الدول، وقرارات المحكمة الجنائية الدولية. ويرتكب أكبر وأول عملية إبادة موثقة بالصورة والفيديو بلا وازع ورادع.. وذلك بدعم وإسناد وغطاء وسلاح وتمويل الولايات المتحدة وأوروبا، الذين دأبوا على تقديم أنفسهم المرجع القيمي والأخلاقي وحامل لواء حقوق الإنسان وسيادة القانون وحماية الأطفال والنساء وتمكين المرأة. لا بل يبرر الغرب موقفه من حرب غزة بالدفاع عن القاتل وإدانة الضحية، لأن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها ضد الجماعات الإرهابية. بينما يتعمدون تشويه واتهام المسلمين بالإرهاب. لكنهم يمضون بدعم وتبرير إبادة حرب إبادة الأطفال والنساء.

ويتمادى الغرب نُخبا ومسؤولين وإعلاما بشيطنة والتهجم على الإسلام والشريعة الإسلامية باتهامات بعدم ملاءمتها مع الحضارة والثقافة الغربية الغارقة باستباحة القيم والأخلاق وحصانة النخب الحاكمة والمتنفذة.

في المقابل وللإمعان في ازدواجية المعايير يفرض الغرب عقوبات على الدول المعارضة لهيمنة الولايات المتحدة والتهديد باستهدافها وحتى شن حرب عليها. وتدميرها وفرض التبعية عليها. كما نتابع بقلق التصعيد والمواجهة المحتدمة هذه الأيام في سباق التصعيد والحشود العسكرية والمفاوضات بين الطرفين الأمريكي والإيراني في مسقط. وانضم لفريق المفاوضات للمرة الأولى بتاريخ المفاوضات السياسية والدبلوماسية قائد مسرح العمليات العسكرية للقيادة الوسطى الأدميرال بحري براد كوبر لممارسة ضغط عسكري، وهذا دليل أن هدف المفاوضات لن يقتصر على البرنامج النووي، كما تطالب إيران، بل سيشمل البرنامج الصاروخي أيضا وهو ما ترفضه إيران.

إننا أمام واقع جديد يؤسس لتحولات ترسخها عقيدة ترامب بمخالفة أسس النظام العالمي الذي تمت صياغته من الغرب بقيادة الولايات المتحدة ويلفظ أنفاسه الأخيرة اليوم. ليحل مكانه نظام عالمي فوضوي لا يعترف بالمعايير والأسس الدولية ويدوس على سيادة الدول بقيادة نخبوية فاسدة لا تقيم وزنا للقوانين والمعاهدات والاتفاقيات.

وكان ملفتا المقال اللاذع لكاتبة العمود مورين دوود في نيويورك تايمز- متهمة الرئيس ترامب بأنه: “دمر المُثل التي جعلت أمريكا منارة ساطعة للديمقراطية، وبات يُنظر إلى الأمريكيين الآن على أنهم أشرار وأنانيون وفوضويون وعدوانيون… وتصف ترامب بالأناني وحاشيته بالمتملقة. ولا يُظهرون سوى الازدراء للدستور والقيم الأمريكية”!!

واتهم المحقق الخاص جاك سميث في جلسة علنية في الكونغرس-وهو الذي ينتقم منه ترامب لتوليه التحقيق بتجاوزات ترامب بعد خسارته انتخابات الرئاسة لجو بايدن عام 2020-وحتى اليوم يرفض الإقرار بهزيمته-“كشفت التحقيقات أن ترامب حاول عام 2021 بعدما حرض أنصاره على اقتحام الكونغرس، حاول قلب نظام الحكم وعرض حياة المشرعين ونائبه بنس للخطر.”

وكان صادما صراحة واعتراف ترامب لصحيفة نيويورك تايمز قبل شهر، “لا احتاج للقانون الدولي، وما يقيدني قيمي الأخلاقية.” والخطورة أن ترامب وإدارته وأنصاره يرون أنفسهم فوق القانون.
ويتعاملون بميزان العرق والهوية والمصلحة. لذلك يفقد الغرب باستحقاق مرجعيته الأخلاقية ويساهم بتصعيد التوتر ومخاوف تمدد الصراع، وعدم الاستقرار. ما يهدد أمن وسلامة حلفائه، ويعمق النفاق وازدواجية المعايير!!

القدس العربي
التعليقات (0)