ما الرابط بين ما حدث في فنزويلا وشعار "أمريكا أولا"؟

مثنى عبد الله
جيتي
جيتي
شارك الخبر
يبدو واضحا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد واءم بين الشعار الذي رفعه في حملته الانتخابية «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، الذي بنى عليه هويته السياسية، التي أوصلته إلى البيت الأبيض مرة ثانية، مُعارضا للحروب والتدخل في الدول الخارجية، وتدخله السافر في فنزويلا، واختطاف رئيسها وجلبه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ليقف أمام محاكمها.

فقد قال، إن ما قام به يأتي تنفيذا لمبدأ أمريكا أولا، في أن يكون هناك جيران جيدون للولايات المتحدة، وأن تكون أمريكا في وضع أقوى، وأن لا يكون لها عدو في محيطها القريب. وهذا هو مذهب مونرو الرئيس الخامس للولايات المتحدة الأمريكية، الذي أحياه ترامب في استراتيجيته الجديدة للأمن القومي وعززه، حتى أنه ربط بين ما قاله مونرو، وما فعله هو، فأطلق عليه تسمية مذهب (ترامب – مونرو).

ومبدأ مونرو هو، المبدأ السياسي الذي يقوم على فكرة، أن الولايات المتحدة يجب أن لا تتسامح مع أي من القوى الدولية في هذا الجزء من العالم، وهي أمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية وأمريكا الوسطى. ولعل السؤال الذي يُطرح حول لماذا تُقدم الولايات المتحدة الأمريكية على هذه السيناريوهات في أمريكا اللاتينية، بين فترة وأخرى، يجد إجابة واضحة له في مبدأ مونرو، الذي جدده ترامب اليوم، واستخدمه على أرض الواقع في فنزويلا. ففنزويلا تكتسب أهمية استراتيجية للولايات المتحدة، باعتبارها أحد أهم الخواصر القريبة من التخوم الأمريكية، إلى جانب كل من خصميها اللدودين كوبا وبنما، وهذه الأخيرة تعاملت معها واشنطن في العام 1990، بالسيناريو نفسه، الذي حدث مؤخرا في فنزويلا، حيث اعتقلت رئيسها مانويل نوريغا، وأخضعته للمحاكمة في محكمة أمريكية.

ولعل حلقة التحالفات التي أقامتها فنزويلا مع عدد من خصوم الولايات المتحدة، كانت دافعا قويا لأن تتعرض إلى هذه القرصنة العسكرية، التي أدت إلى اعتقال رئيسها. ففنزويلا لديها علاقات استراتيجية مع كل من الصين وروسيا وكوبا وإيران. وهي تحصل على الدعم العسكري وصفقات السلاح من موسكو، فيما تقدم بكين لها قروض كبيرة وتستثمر في القطاع النفطي فيها. كما أنها ترتبط بعلاقات تاريخية قوية مع كوبا، وموقف أيديولوجي مشترك ضد الولايات المتحدة، إلى جانب اعتماد هافانا على صادرات النفط من فنزويلا.

وأمام هذه القرصنة الدولية، يبدو واضحا أن العالم قد عاد إلى السياسات التي تعتمد على القوى الكبرى، حيث المصالح الدولية هي أهم شيء. وهذا النهج السياسي ليس حكرا على الولايات المتحدة فقط، بل الدول العظمى الأخرى كروسيا والصين، وحتى الاتحاد الأوروبي، كل ينظر إلى مصالحه ويُجيّر ما يقوم به ترامب اليوم لتحقيق تطلعاتهم، فالمصالح ركيزة أساسية في العلاقات الدولية.

على سبيل المثال روسيا حليفة فنزويلا أمنها القومي هو شيء أساسي وأولوية تتقدم على باقي الأولويات الأخرى، فالمسألة الأوكرانية هي الهدف الأهم للسياسة الخارجية الروسية في اللحظة الراهنة. وعلاقات موسكو بواشنطن في ما يتعلق بالمسألة الأوكرانية، أهم من المصالح المحتملة لها في أمريكا اللاتينية، لذلك لم نجد أي رد مباشر بالتدابير السياسية من روسيا، إزاء هذا الموضوع، فالوقت لا يسمح لها بفعل ذلك الآن، لأن ذلك سوف يُعكّر العلاقات مع واشنطن. كذلك الصين، فهي حريصة على أن يبقى اهتمامها الأول قائما على أساس عدم الصدام مع الولايات المتحدة.
أمام القرصنة الدولية، يبدو واضحا أن العالم قد عاد إلى السياسات التي تعتمد على القوى الكبرى، حيث المصالح الدولية هي أهم شيء

أما الأوروبيون ففي قلوبهم يعتبرون ما قام به ترامب في فنزويلا غير قانوني من ناحية القانون الدولي، لكن الموقف الذي يجد فيه الأوروبيون أنفسهم، هو في حاجتهم إلى الولايات المتحدة كثقل مضاد لروسيا في أوكرانيا وفي عموم القارة الأوروبية. بالتالي هم لا يريدون إغضاب ترامب بالكشف عن مكنونات قلوبهم. ولهذا لم يؤيدوا هذه العملية ضد فنزويلا، بل أشادوا بما قام به الرئيس الأمريكي. لكن في الوقت نفسه، دعوا الأطراف كافة، إلى احترام القانون الدولي. وهذه المناشدة الضعيفة للغاية، هي مفارقة بالنظر إلى ما قام به ترامب من قرصنة. بالتالي هنا مُجددا تبقى أوكرانيا أولوية على الموقف المطلوب اتخاذه من جانب أوروبا، بما يتلائم مع ما تدعي به من قيم أوروبية. وإن كانت أوروبا قد ضحّت بمنظومتها القيمية من أجل حماية مصالحها الأمنية، لكن موقفها هذا، ألم يشجع قوى أخرى في العالم على القيام بأفعال مشابهة؟

أما في الولايات المتحدة نفسها فسمعنا زعيم الديمقراطيين في الكونغرس يقول (لم أتلق أية ضمانات بأننا لن نحاول فعل الشيء نفسه في دول أخرى)، وأضاف (عندما تنخرط الولايات المتحدة في هذا النوع من تغيير الأنظمة، وما يسمى ببناء الدولة ينتهي الأمر دائما بالإضرار بالولايات المتحدة).

ويبدو أن الديمقراطيين ينطلقون في موقفهم هذا من ثلاثة محاور: الأول أن العملية الأمريكية في فنزويلا هي انتهاك للقانون الدولي. وثانيا كان فيها تعدٍ وتجاوز على الدستور الأمريكي في صلاحيات الحرب. ثالثا هذا الفعل سيشكل فرصة لدول أخرى للقيام بالفعل نفسه. لذلك يرى الديمقراطيون أنه لا بد من الضغط على ترامب، لكن هل هذا سيجدي؟

ربما على المدى الطويل يمكن، لكن على المدى القصير يبدو أن لا فائدة مرجوة منه. وعلى الرغم من أن ترامب والجمهوريين يقولون، إن هذه العملية ليس فيها حرب، ولا احتلال لدولة أخرى، وهي عملية لسلطات إنفاذ القانون على الأراضي الفنزولية، لكن الديمقراطيين يقولون، إن هناك انتقاء لبعض مبادئ الدستور الأمريكي يقوم بها الجمهوريون لتبرير العملية، ويؤكدون أنها انتهاك ومخالفة للمادة الأولى القسم الثاني من الدستور الأمريكي.

لكن هل سيحتاج ترامب إلى تبرير ما فعل في فنزويلا أمام ناخبيه؟ إلى حد ما نعم، سيحتاج إلى ذلك فحركة (جعل أمريكا عظيمة مجددا)، باتت منقسمة بعدما حصل في غزة، حيث اعتبرت أن ترامب يجاري إسرائيل في المجزرة ضد الفلسطينيين، وبعد القرصنة الأمريكية في فنزويلا أرتفعت اعتراضات هذه الحركة على ذلك.

ردة الفعل من جانب ترامب شخصيا وإدارته هي، الإشارة إلى أن هذه الخطوة تهدف إلى ترحيل الفنزوليين إلى بلادهم، أولئك الذي دخلوا الولايات المتحدة خلال ولاية الرئيس السابق بايدن. بالتالي هذه ستكون استجابة لمطلب هذه الحركة التي تريد الانطواء وإغلاق الباب أمام المزيد من المهاجرين. إذن هنا على الأقل في الموضوع الفنزويلي خلافا للموضوع الإسرائيلي، حتى من يعترض على هذا التدخل يحصل على بعض الشيء الإيجابي، فتلين معارضته للتدخل الخارجي، لاسيما وأن هذا التدخل سوف يؤطّر على أساس أنه لصالح الولايات المتحدة حصرا.

القدس العربي
التعليقات (0)