ما وراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها

أحمد عويدات
"الأمريكية الإسرائيلية أعمت بصيرة وبصر ترامب ونتنياهو عن تداعيات هذه الحرب"- البيت الأبيض
"الأمريكية الإسرائيلية أعمت بصيرة وبصر ترامب ونتنياهو عن تداعيات هذه الحرب"- البيت الأبيض
شارك الخبر
بهدف هندسة المنطقة سياسيا، وجيوسياسيا واقتصاديا، وتأكيدا للنهج الإمبريالي الاستعماري الاستثماري الجديد، الذي ينتهجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعامله مع كافة القضايا الدولية، وتحت حججٍ وذرائع واهية لا منطقية وبأهدافٍ نتنياهوية -لا يُعتقد أنها خفية على المهتمين بالشأن السياسي والدولي- ودون أن يُدرك حجم مآلات وتداعيات ذلك؛ أطلق حاملات الطائرات وأساطيل الموت والدمار عبر البحار وطائرات B1 وB2 بما تحمله من قنابل محرمة دوليا تبيد البشر والحجر، وأطلق ترسانته العسكرية الأولى في العالم، في ساعات الفجر الأولى من يوم 28 شباط/ فبراير، وبعد يومٍ واحد من انتهاء المفاوضات مع الطرف الإيراني، ليعلن حربا عدوانية متهورة على إيران النظام والشعب والبنى التحتية، بعد أن نجح شريكه رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو بجره إليها غير آبهٍ، هذا الأخير، بعواقب ونتائج فعلته على الداخل الإسرائيلي، وعلى المنطقة بأسرها.

لقد اختبأ دونالد ترامب وراء ذرائع يمكن اعتبارها أسبابا لحربه المتهورة، إذ عمل وإدارته وحلفاؤه على شيطنة النظام الإيراني وحلفائه، وأظهره بأنه مسؤول عن ممارسة الأنشطة الإرهابية، ودعمه لحركات المقاومة في المنطقة، وأنه يهدد أمنها واستقرارها؛ لذلك لا بد من إسقاطه، وتنصيب قيادة جديدة بديلة مرتبطة بالغرب، وتتماهى سياستها مع سياسة البيت الأبيض، وتكون خاضعة لإملاءات الدولة العميقة، والتي في نصابها الأكبر شراكة مع نتنياهو وحكومته الفاشية. وتحت ملاءة الاستثمار وقناع التنمية، ستقوم إدارة ترامب -والتي جلّها من رجال الأعمال والمستثمرين والمطورين العقاريين وأصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي- بالتحكم بثروات إيران النفطية ونهبها،
اختبأ دونالد ترامب وراء ذرائع يمكن اعتبارها أسبابا لحربه المتهورة، إذ عمل وإدارته وحلفاؤه على شيطنة النظام الإيراني وحلفائه
وبالتالي العمل على إفقار الشعب الإيراني، وتفكيك بناه المجتمعية، وخلق ثقافة التبعية والإلحاقية لمكونات هذا الشعب؛ بهدف إحداث تغيير بنيوي، وفصله عن تاريخه وتراثه وثقافته ومعتقده؛ لرصف الطريق أمام إخضاعه كليا لأجندة ترامب ونتنياهو.

كما تهدف هذه الحرب إلى التحكم بطرق الملاحة العالمية، عبر السيطرة على مضيق هرمز، الذي تعبر منه نحو 25 في المئة من صادرات النفط إلى العالم.

وكذلك فرض هيمنة الولايات المتحدة كقطبٍ واحدٍ على الاقتصاد العالمي، والتحكم بمقدرات وثروات الشعوب، واستمرار تدفق البترودولار. وتهدف أيضا إلى إحكام الحصار التجاري على الصين، التي تعتمد اعتمادا شبه كلي على النفط الإيراني بعد أن فقدت مصدرها الأول في فنزويلا بعد اعتقال رئيسها.

ولعل أبرز الأهداف يكمن في إفساح المجال أمام المخطط الصهيوني القديم الجديد؛ الهادف إلى إقامة "إسرائيل الكبرى"، والوصول إلى منابع النفط، والتحكم بأنظمة دول الخليج، وإبقائها تحت السيطرة المباشرة. ومن الأهداف أيضا، الإبقاء على التفوق النوعي الردعي الإسرائيلي في المنطقة، وعدم تمكين أي جهة من امتلاك أي قدرة عسكرية متقدمة لضمان استمرار الهيمنة والابتزاز الأمريكي لدول المنطقة.

إن السعي لإسقاط النظام الإيراني الحالي، بغض النظر عن مواقفنا من سياساته ودوره، واستبداله بنظامٍ صنع في الغرب -كما صرح نتنياهو مؤخرا: "طموحنا، أن نُمكّن الشعب الإيراني من إسقاط حكم الطغاة"- يعيد للأذهان دور شاه إيران السابق رضا بهلوي كشرطي للمنطقة، يعمل بأمرة الحاكم الأوحد وقيصر العالم ترامب، ويعمل على إخضاع أنظمة دول الخليج والمنطقة، وجعلها خزّان ميزانيته واستثماراته؛ في سعيه لإنعاش الاقتصاد الأمريكي، ولسد عجز مديونة الولايات المتحدة البالغة أكثر من 33 تريليون دولار، وفوائدها ما يزيد على تريليون دولار سنويا.

وتحت شعار جلب الأمن والاستقرار لدول المنطقة، فإن إدارة ترامب تهدف من هذه الحرب إلى تجفيف منابع "دعم الإرهاب" في ايران، والقضاء على حركات المقاومة، أو ما يعتبرهم نتنياهو وترامب "وكلاء إيران" في المنطقة؛ ما يزيل عائقا كبيرا أمام المشروع الصهيوني الاستيطاني التوسعي، ويفسح المجال، كما زعم وزير الدفاع الإسرائيلي مؤخرا، لـ"توسيع دائرة التطبيع مع دول المنطقة".

بات من الواضح تماما أن العنجهية الأمريكية الإسرائيلية أعمت بصيرة وبصر ترامب ونتنياهو عن تداعيات هذه الحرب، والتي ربما تتسبب أولا، بحربٍ إقليميةٍ واسعة تتجاوز دول الخليج لتشمل لبنان والعراق واليمن ودول أخرى، وتحوّلها إلى حرب استنزافٍ مفتوحةٍ، تستهدف المصالح الأمريكية والقواعد العسكرية ودولة الاحتلال الإسرائيلي في كل الاتجاهات؛ لا سيما بعدما كشفت عنه إيران من استخدام أجيالٍ جديدةٍ من الصواريخ الدقيقة والبعيدة المدى، خاصة تلك الصواريخ العنقودية التي تحمل رؤوسا متفجرة تزن ما يزيد على طن؛ ما يحقق تغييرا نوعيا في معادلة المواجهة.

ثانيا، سترسم هذه الحرب خريطة جديدة للعالم، لا سيما أن أوروبا رفضت المشاركة بهذه الحرب لوعيها المبكر بنتائجها الكارثية، وانعكاس ذلك داخل أروقة مجلس الأمن الذي شهد انقساما حادا، حيث رأت دولٌ عديدة أنه عدوان يهدد الأمن والسلام العالميين.

ثالثا، التسبب بتدهور الأسواق العالمية للطاقة؛ اذ لامس برميل النفط الـ100 دولار، بينما بلغت نسبة ارتفاع سعر الغاز نحو 50 في المئة، وانعكاس ذلك على الصادرات والاقتصاد العالمي؛ ما يزيد من كلف الرسوم على البضائع وارتفاع أسعار السلع بنسبة 21 في المئة، وزيادة معدلات التضخم في الدول التي تعاني من مديونية عالية، وارتفاع معدلات البطالة بنسبة 4.4 في المئة.

رابعا، تنامي العداء للهيمنة الأمريكية والصهيونية ورفض التبعية والوصاية، ونهب ثروات الشعوب والتحكم بسيادتها؛ ما يفسح المجال أمام الحركات والأحزاب لإعادة النظر بسياساتها مجددا، ووضع خطط لمواجهة هذه الهيمنة الأمريكية الصهيونية.

التطورات الحالية لا تظهر نهاية قريبة لهذه الحرب، لكن هناك يبدو حراك دولي من أطرافٍ معينة لها مصالحها تسعى لوقفها، والمطالبة بالعودة إلى طاولة المفاوضات

خامسا، اتساع المعارضة الداخلية في الولايات المتحدة، وتعاظم الانقسام الداخلي على الصعيد الشعبي والرسمي، وفي الكونغرس؛ نتيجة لتجاوز ترامب صلاحياته بشن هذه الحرب دون تفويض. ولعل هذه الانقسامات تنذر بأزمة داخلية كبيرة كلما تعرضت القوات الأمريكية لخسائر كبيرة بشرية، وإذا فشلت في تحقيق أهدافها بفرض الاستسلام على النظام الإيراني، وتدمير برنامجه النووي والصاروخي الباليستي.

وآخر هذه التداعيات، ارتفاع الكلفة الاقتصادية لهذه الحرب؛ لما لحق من دمار وأضرار في مواقع انتاج الطاقة، وما نتج عن ذلك من توقف أو انخفاض معدلات إنتاج وتصدير النفط والغاز، كذلك ما تسببت به الصواريخ من تدمير للبنى التحتية والمرافق من دمار، سواء في الكيان المحتل أو في دول الخليج، أو في القواعد العسكرية الأمريكية، وازدياد الإنفاق العسكري على التسلّح والذخائر أيضا، إذ تحدثت مصادر البنتاغون عن إنفاق نحو خمسة مليار دولار على الذخائر في أول يومين من الحرب، بينما بلغت خسائر "إسرائيل" في الأسبوع الأول من الحرب ما يزيد على ستة مليار دولار.

إن التطورات الحالية لا تظهر نهاية قريبة لهذه الحرب، لكن هناك يبدو حراك دولي من أطرافٍ معينة لها مصالحها تسعى لوقفها، والمطالبة بالعودة إلى طاولة المفاوضات. ويبقى السؤال: هل سينسى الإيرانيون مقتل مرشدهم وقادتهم وعلماءهم وتلميذات المدارس؟ أم أن إيران ما قبل هذه الحرب غيرها ما بعدها؟ وهل انتخاب وتعيين المرشد الجديد مجتبى علي خامنئي، ومبايعته الواسعة شعبيا ورسميا -الأمر الذي يشكل تحديا قويا ومباشرا لترامب ونتنياهو- يُنذر باستمرار الحرب وأقفال الأبواب أمام المساعي الدبلوماسية لإنهائها؟

[email protected]
التعليقات (0)