هل يتمكن ترامب من تشكيل تحالف دولي في مواجهة إيران؟

أحمد عويدات
"اتخذت الحرب منحى آخر، فأصبحت عنوان هذه الحرب حرب الطاقة"- جيتي
"اتخذت الحرب منحى آخر، فأصبحت عنوان هذه الحرب حرب الطاقة"- جيتي
شارك الخبر
ونحن على أعتاب دخول الأسبوع الرابع من الحرب الإسرائيلية الأمريكية العدوانية على إيران، وبعد أن نجح بنيامين نتنياهو بتوريط الرئيس دونالد ترامب في حربٍ يخوضها للدفاع عن "إسرائيل" وأهداف المشروع الصهيوني، وليس دفاعا عن أمريكا؛ كما عبرت عن ذلك أكثر من شخصية أمريكية في معرض انتقادها للرئيس ترامب في هذه الخطوة المتهورة، فإن ترامب بعد هذا التورط الذي أوقع فيه بلاده، يحاول الاستناد على ما يسعى إلى الإعلان عنه "تحالف دولي" كان قد فشل في الحصول عليه قبل بدء هذه الحرب، وذلك تحت ذريعة إبقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام الملاحة العالمية، فهل ينجح ترامب في ذلك؟

لقد اتخذت الحرب منحى آخر، فأصبحت عنوان هذه الحرب "حرب الطاقة" بعد نجاح إيران بتضييق الخناق على موارد الطاقة والممر الحيوي لها "مضيق هرمز"، لذلك يحاول ترامب جر بعض الدول للدخول معه في تأمين هذا المضيق، وتأمين سلامة السفن وناقلات النفط، لكن الهدف الحقيقي يكمن في توريط هذه الدول بالدخول في حربٍ لصالح الولايات المتحدة ونتنياهو ضد إيران، بعدما عجزت مع شريكتها "إسرائيل" عن إسقاط النظام.

يحاول ترامب جر بعض الدول للدخول معه في تأمين هذا المضيق، وتأمين سلامة السفن وناقلات النفط، لكن الهدف الحقيقي يكمن في توريط هذه الدول بالدخول في حربٍ لصالح الولايات المتحدة ونتنياهو ضد إيران، بعدما عجزت مع شريكتها "إسرائيل" عن إسقاط النظام

 إن ما صدر -حتى لحظة كتابة هذه السطور- من مواقف معظم الدول الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا؛ يُمثّل رفضا لطلب ترامب؛ وكأنها تعيد إلى الأذهان ما كانت قد صرحت به رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين أمام منتدى دافوس، عند احتدام الخلاف مع ترامب حول الرسوم الجمركية التي فرضها هذا الأخير على دول العالم، وعلى الأخص الدول الأوروبية: "إن العالم تغيّر جذريا، وأن على أوروبا التغيير معه، وأن تُسرّع مساعيها نحو الاستقلال".

إن هذه المواقف الأوروبية تُظهر بجلاء مدى اتساع الهوة في المواقف السياسية مع إدارة ترامب وعدم تقاطع المصالح معها في هذه الحرب، على الرغم من تضرر هذه الدول من نتائجها اقتصاديا؛ ما يدل على حرص هذه الدول على عدم التورط في حرب لا أهداف لها سوى إسقاط النظام الإيراني، وإمعان السيطرة الأمريكية على المنطقة، وتفردها بالغنيمة التي ستحصل عليها من جراء ذلك، والتي لم ولن ينال منها الأوروبيون أية حصة. وتتجلى مصالح الدول الأوروبية هنا بإنهاء هذه الحرب والعودة إلى مائدة المفاوضات، سعيا منها لاستمرار تدفق النفط والغاز، وسلامة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز وباب المندب الذي يمكن أن يُغلق لاحقا وفق تطورات الحرب، وكذلك الوصول بالمنطقة إلى حالة من الاستقرار، تؤدي بالنتيجة إلى الخروج من حالة اضطراب الأسواق العالمية، وتراجع أسعار الطاقة إلى سابقتها قبل الحرب، وعودة معدلات إنتاج الطاقة كما كانت قبل اندلاع المواجهات.

والواضح تماما من مجريات الأحداث وتطور الصراع أن إيران تفرض إيقاعها على أسواق الطاقة، وذلك من خلال اشتراطها استخدام اليوان الصيني كعائدات للمرور عبر مضيق هرمز؛ ما يعني فرض معادلتها في التحكم بمضيق هرمز، وتهديدها المستمر بضرب منابع ومصادر ومصافي الطاقة في المنطقة. ولعل ما صرّح به قائد الحرس الثوري الإيراني دليل على ذلك بقوله: "إن الهجوم على جزيرة خرج (خارك) سيصبح معادلة جديدة وقاسية في أسعار الطاقة وتوزيعها في العالم"؛ ما دفع ترامب إلى التراجع عن ضرب المنشآت النفطية فيها.

في جانبٍ آخر، إن تراجع ترامب بقوله "إن هناك سفنا أمريكية سترافق السفن الراغبة في عبور مضيق هرمز بشكل آمن"، تأكيد لعجز الولايات المتحدة القيام بذلك، لا سيما عندما طلب من دول عديدة المشاركة في "قوة حماية الملاحة" عبر مضيق هرمز، ومرافقة السفن، ويعبر عن تخبطٍ وتناقضٍ واضحٍ في إدارة الحرب، ويعكس فشل إدارة ترامب في مواجهة الإجراءات والتكتيكات الإيرانية في هذا الصدد.

وفي الوقت الذي يُصر فيه نتنياهو على المضي في هذه الحرب لإنجاز أهدافه العدوانية، فإن ترامب يبحث عن خشبة خلاص تُخرجه غير مهزوم من هذه الحرب؛ عبر التوصل إلى اتفاق وسط مع القيادة الإيرانية، يعيد للأذهان الاتفاق النووي الذي كان قد ألغاه في ولايته الأولى، لكن يبقى تباين الموقف الأوروبي عن المواقف الإسرائيلية والأمريكية سيد الموقف. إذ إن الأوروبيين يرفضون أن تكون لهم مشاركة مباشرة في الحرب، ويتحركون وفق مصالحهم بالبحث عن حل لأزمة الطاقة التي تنعكس على اقتصاد دولهم، وسعيهم لاستقرار أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.

وكان الرئيس الفرنسي ماكرون وفي اتصال مع الرئيس الإيراني عبّر عن هذا الموقف بقوله: "لا يمكن ضمان السلام والأمن للجميع إلا من خلال إطار سياسي وأمني جديد".

أما المستشار الألماني فقد عبّر عن الموقف الأوروبي بوضوح عندما قال: "لا نرى أن هناك دورا لحلف الناتو في تأمين مضيق هرمز"، وذهب أبعد من ذلك بقوله: "إننا لن نشارك في هذه الحرب ويجب إنهاؤها سريعا"، بينما عبّر وزير خارجية إيطاليا عن موقف بلاده قائلا: "الدبلوماسية هي النهج الصحيح للتعامل مع وضع مضيق هرمز".

لكن هل يعني البيان الذي صدر عن الجانب الخليجي والبريطاني، والذي جاء فيه "أن أمن الخليج يرتبط ارتباطا وثيقا بأمن المملكة المتحدة والأمن الدولي"، أن هناك دورا بريطانيا سيتم القيام به؟ أم أن هناك تحركا يهدف -كما زعم رئيس وزراء بريطانيا ستارمر- إلى زيادة القدرات الدفاعية لدول المنطقة؛ تستطيع بريطانيا، تحت ذريعته، أن تضمن جانبا من مصالحها بالتنافس مع الولايات المتحدة في المنطقة؟

لم يغب عن ذاكرة الأوروبيين المواقف الأمريكية إزاء الحرب الروسية الأوكرانية، ونتائج هذه الحرب على شعوبهم، وما سببته من ارتفاعٍ في أسعار الطاقة والسلع، وازدياد معدلات التضخم وتهديد أمن واستقرار دولهم

إن الرفض الأوروبي للمشاركة في تحالف دولي، دعا إليه ترامب، يخفي وراءه الكثير من الحقائق: في المقام الأول، إنه إعادة التموضع الأوروبي بوجه سياسات ترامب المتهورة في رؤيتها وأهدافها؛ إذ لا يريد الأوروبيون الانجرار إلى حربٍ ليست لها أهداف وليس لها جدول زمني، وليست ذات شرعية دولية ولا تفويض دولي؛ ما يعني أنها عدوان على بلدٍ ذي سيادة. ثم إنهم يعزفون على وتر المزاج الشعبي لشعوبهم، التي تئن تحت وطأة الأوضاع الاقتصادية السيئة الناجمة عن ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، بسبب أزمة الطاقة التي تسببها العدوان الثنائي. أيضا، لا يريدون الانخراط بحربٍ خاسرةٍ في مواجهة أمة لها تاريخها وحضاراتها وثقافتها؛ هذه الأمة التي خبرت الحروب وكل أنواع الحصار والأزمات كثيرا.

ولم يغب عن ذاكرة الأوروبيين المواقف الأمريكية إزاء الحرب الروسية الأوكرانية، ونتائج هذه الحرب على شعوبهم، وما سببته من ارتفاعٍ في أسعار الطاقة والسلع، وازدياد معدلات التضخم وتهديد أمن واستقرار دولهم.

وفي المحصلة، لا يريد الأوروبيون المغامرة بخسارة ما تبقى لهم من نفوذ في منطقة الخليج، ولا يريدون الخضوع لإملاءات السياسة الترامبية، وذراعه الضاربة نتنياهو بتأجيج الصراع في المنطقة وتوسيع نطاقه ليشمل دولا إقليمية أخرى؛ من شأن ذلك أن يهدد الأمن والسلام العالميين، وحتى الأراضي الأوروبية التي لن تكون بمنأى عن رمايات الصواريخ الإيرانية وغيرها من الحلفاء.

إن خبرة وتجارب الأوروبيين وحكمتهم في التعامل مع كافة القضايا الدولية، تفرض عليهم عدم المشاركة في هذه الحرب، بل المطالبة بسرعة إنهائها. وعليه، إن هذا الموقف المتقدم للأوروبيين سيزيد المشهد تعقيدا.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)