لماذا قد لا يكون سقوط إيران خبرا سيئا كليا لروسيا؟

نبيل الجبيلي
"سقوط النظام في طهران، إذا حصل، ليس ضربة تلقائية لموسكو، بل مناسبة لإعادة توزيع الأوراق"
"سقوط النظام في طهران، إذا حصل، ليس ضربة تلقائية لموسكو، بل مناسبة لإعادة توزيع الأوراق"
شارك الخبر
على الرغم من شيوع فكرة أن روسيا ستخسر "حليفا كبيرا" إذا انهار النظام في إيران، إلا أنّ حسابات موسكو لا تُدار بهذا الأسلوب العاطفي. الكرملين ينظر إلى الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد طهران بوصفها مُعادلة "كلفة مقابل منفعة".

نعم، قد تنهار السلطة في إيران، وقد تقع البلاد الواقعة على حدود بحر قزوين في فراغ وفوضى، لكنّ في المقابل، قد يفتح هذا السيناريو أمام روسيا مسارات ربح استراتيجية، لا تقل أهمية عن خسارة شريك مُنهَك أصلا بالعقوبات والضغوط. وفي لحظة تتوسع فيها الحرب وتتسبب بارتدادات إقليمية على الملاحة والطاقة والتحالفات الغربية، تصبح الفكرة الأساسية هي تحويل الخسارة إلى فُرص.

- أولى هذه الفرص، تتمثل في تحويل الأنظار عن الحرب الأوكرانية. فمنذ اندلاع المواجهة الحالية، باتت واشنطن أمام مسرح عمليات جديد، كثيف الاستنزاف سياسيا وعسكريا، فيما تتحدث تقارير غربية عن حملة طويلة قد تمتد لأسابيع مع توسّع الضربات واتساع نطاق التداعيات الإقليمية. بالنسبة لروسيا، فهذا التحول ليس تفصيلا على الإطلاق، فعندما ينشغل مركز القرار الأمريكي بأزمة أكبر في الشرق الأوسط، سوف تتراجع تلقائيا أولوية الإدارة اليومية لملف أوكرانيا في الإعلام والكونغرس والرأي العام. وحتى لو لم تتوقف المساعدات المتوجهة إلى كييف، يكفي أن تحوّل عدسات الكاميرات صوب طهران ليرى من خلالها الرأي العام الغربي أولوياته،
في لحظة تتوسع فيها الحرب وتتسبب بارتدادات إقليمية على الملاحة والطاقة والتحالفات الغربية، تصبح الفكرة الأساسية هي تحويل الخسارة إلى فُرص
وبذلك سوف تتحول أوكرانيا إلى ملف ثانوي ضمن سلة أزمات تتنافس على التمويل والانتباه السياسي. هذا بالضبط ما تراهن عليه موسكو: أن تتباطأ القرارات، وأن تتناقص الطاقة السياسية لتصعيد إضافي ضدها، وأن يصبح تمرير حُزم دعم جديدة أصعب في بيئة أمريكية محكومة بسجال داخلي حول حرب ثانية مُكلفة.

- الفرصة الثانية هي الطفرة المحتملة في عائدات النفط برغم العقوبات. في الحروب الكبرى، لا يحتاج النفط إلى انقطاع فعلي كي يقفز، يكفي أن يدخل عامل "المخاطر" على منابع النفط أو ممراته مثل مضيق هرمز لتبدأ تكاليف التأمين والشحن بالارتفاع.. وهنا تظهر براعة موسكو في تحويل الجغرافيا إلى ربح: روسيا، بوصفها مُصدِّرا كبيرا للنفط والغاز، سوف تستفيد حسابيا من كل دولار إضافي في سعر البرميل برغم الخصومات المرتبطة بالعقوبات الغربية التي تضغط على إيرادات موسكو، لكن ارتفاع السعر العالمي سوف يخفف بطبيعة الحال من أثر الخصم ويمنح الخزينة الروسية متنفسا ماليا. فإذا كان الغرب يحاول تجفيف موارد موسكو عبر السعر والخصم، فإنّ حجم الصدمة الجيوسياسية في الخليج ستتكفل بزيادة تلك الموارد.

- الفرصة الثالثة تتصل بالسياسة الغربية نفسها: مزيد من التصدعات داخل حلف الشمال الأطلسي (الناتو) وفي أوروبا. أي حرب كبيرة في الشرق الأوسط تُعيد تفعيل خطوط الانقسام الأوروبية بسرعة: دول ترى أولوية "احتواء التصعيد" ومنع موجات هجرة واضطراب طاقة، ودول تميل إلى مقاربة أمنية أكثر تشددا، وأخرى تُحمّل واشنطن جزءا من مسؤولية اتساع الاشتعال. هذه التباينات ليست نظرية بقدر ما هي صيغة قاتلة للإجماع على القرارات وعلى استعداد الحكومات الأوروبية للدخول في مغامرات خارجية جديدة قبل أن تُقفل أصلا فاتورة أوكرانيا. بعبارات أخرى، إذا تحولت الحرب في إيران إلى عامل انقسام طويل حول الشرعية، وكلفة الطاقة، ومخاطر الرد عبر المنطقة.. فإن موسكو ستجد بيئة أقل صلابة في وجهها، وأقل استعدادا لتصعيد منسق ضدها.

روسيا لا تحتاج إلى أن تحلّ مكان واشنطن بالكامل، بل يكفي إلى اقتناص هذه الفراغات المحتملة: مكان واحد تتراجع فيه الثقة الأمريكية، تتحول موسكو إلى خيار بديل لدى بعض العواصم

- الفرصة الرابعة، وربما الأكثر استثمارا لدى روسيا، هي توسيع حضورها في العالم العربي على وقع تضرّر مصداقية واشنطن. في الشرق الأوسط، الثقة تُقاس بالنتائج: هل تمنح الولايات المتحدة شركاءها استقرارا؟ هل تمنع الحروب أم تتوسع الحروب تحت مظلتها؟ مع اتساع المواجهة وتداعياتها على الإقليم؟ ماذا عن اضطراب الملاحة والطيران إلى ضغط الطاقة الذي يتعاظم؟ هذا النوع من الشكوك، حتى لو لم يتحول إلى قطيعة، يكفي لفتح هوامش مناورة أمام موسكو: عروض تسليح، تنسيق أمني، شراكات طاقة، أو حتى مجرد لعب دور "الوسيط" الذي يتحدث مع الجميع.

روسيا لا تحتاج إلى أن تحلّ مكان واشنطن بالكامل، بل يكفي إلى اقتناص هذه الفراغات المحتملة: مكان واحد تتراجع فيه الثقة الأمريكية، تتحول موسكو إلى خيار بديل لدى بعض العواصم. وهذا ما يجعل سقوط النظام في طهران، إذا حصل، ليس ضربة تلقائية لموسكو، بل مناسبة لإعادة توزيع الأوراق.

قد لا تراهن روسيا على انهيار إيران بوصفه "انتصارا"، بل تتعامل معه كحدث كبير ربما يُعيد ترتيب الأولويات والأسعار والتحالفات.. وكلما طال زمن الحرب وارتفعت كلفتها على واشنطن وحلفائها، ازدادت شهية موسكو لالتقاط المكاسب.
التعليقات (0)

خبر عاجل