لماذا يجب أن يعارض العرب إسقاط نظام إيران؟

غازي دحمان
"الحروب ليست نزهة، رغم ميزان القوى المائل بدرجة كبيرة لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية"- تسنيم
"الحروب ليست نزهة، رغم ميزان القوى المائل بدرجة كبيرة لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية"- تسنيم
شارك الخبر
تبدو احتمالات الحرب على إيران أكبر بكثير من التوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران، فمع وصول القوات الأمريكية المُحتشدة قبالة إيران إلى ذروة الجاهزية القتالية، يصبح المفاوض الأمريكي أكثر تطلبا للتنازلات، وتصبح أي مرونة يبديها في التفاوض شكلا من أشكال الخسارة المجانية، في وقت يجد فيه نظام إيران نفسه بموقف لم يختبر مثله منذ قيام الجمهورية الإسلامية قبل أكثر من أربعة عقود.

من المؤكد أن الحروب ليست نزهة، رغم ميزان القوى المائل بدرجة كبيرة لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الكلام سبق وقيل قبل الحرب على العراق، وفي أثناء التجهيز لغزو فنزويلا، وتبين أنها تقديرات مبالغ بها إلى حد كبير، فقد استطاعت واشنطن في هذه الحروب، ليس إسقاط أنطمة الحكم، بل وتغيير مسارات المنطقة، ولا سيما في العراق، عبر إعادة تشكيل المجال الإقليمي، لدرجة يذهب معها خبراء الاستراتيجية في المنطقة إلى أن الكوارث التي حصلت في المنطقة العربية بعد احتلال العراق، كانت نتيجة طبيعة للزلزال الجيوسياسي الذي أعاد ترتيب الفواعل الإقليمية وجعل موازين القوى سائلة إلى حد بعيد دون ترجيح كفة أي طرف، وما نتج عن ذلك من تنافس صفري بين بعض القوى دفعت أثمانه شعوب المنطقة من حساب مستقبل أبنائها ورفاه شعوبها.

الحسابات الباردة تفرض على العرب الضغط من أجل عدم وقوع الحرب، أو على الأقل ألا تؤدي إلى إسقاط النظام الحالي، لأن جميع النتائج ستصب في صالح إسرائيل

لا بوادر تشي بإمكانية حصول تقدم مهم في المفاوضات الأمريكية- الإيرانية، فأمريكا الدولة الأكبر قوّة في عصرنا، لا تستطيع التراجع عن الضربة إلا إذا حققت في المفاوضات نتائج كتلك التي ستحققها حاملات طائراتها وبوارجها ومنظومتها العسكرية في ضرب إيران، والنظام الإيراني لا يستطيع تقديم تنازلات كبيرة في مسائل تعتبر مصادر شرعيته في الداخل الإيراني، مثل المشروع النووي والصواريخ البالستية، ما يجعل الطرفين أمام حائط مسدود لا توجد فيه سوى ثغرة واحدة تتمثل بإعلان الحرب للتوصل إلى مخرج من هذا الانسداد.

وهنا، يثور في سماء العرب سؤال خطير عن المشهد المُرتقب بعد حصول الضربة، عن المعادلات التي ستسود الإقليم، وعن التداعيات المُحتملة، فضلا عن النتائج التي ستخلفها الحرب، لا سيما أن المطروح هذه المرة إسقاط النظام، وليس مجرد ضربة عابرة، أو على الأقل محدودة النتائج كما حصل في المرة السابقة.

رغم أن نظام الملالي لعب أدوارا خطيرة تجاه جزء من شعوب المنطقة، وأشعل حربا طائفية أحرقت بلاد المشرق العربي، هذا فضلا عن كونه نظاما قمعيا تجاه شعبه وقتل آلاف المعارضين والمحتجين بذريعة أنهم وقود لمؤامرة يحيكها الخارج ضد إيران، ورغم عدائه المُعلن لدول الخليج العربي، إلا أن الإطاحة به في هذا التوقيت الإقليمي الحساس يبدو أنها أمر غير محبذا لقطاعات واسعة من الشعب العربي، فضلا عن تخوّف لدى دوائر الحكم العربية من عملية إسقاط النظام، لماذا؟

أولا: النظام الإيراني محصّن إلى حد كبير، من خلال بنية واسعة ومتجذرة في الداخل الإيراني، ولن يسقط بسهولة، وسيستنزف مخزونات الأسلحة الأمريكية، التي لا تعنينا بالطبع، لكن إذا تحوّل إلى نظام جريح فسيعمل وفق قاعدة "علي وعلى أعدائي"، وبما أنه لن يستطيع استهداف أمريكا، كما أن الحماية التي تم تأمينها لإسرائيل ستحرمه من الانتقام منها، لذا سيصب جام غضبه على دول الخليج العربية، كذلك سيعمد إلى إغلاق معابر تصدير النفط من هرمز إلى باب المندب (بواسطة الحوثيين)، وهي طرق التجارة الأساسية للعرب، ما يعني أن العرب سيدفعون فاتورة باهظة نتيجة ضرب إيران ومحاولات إسقاط نظامها.

الحسابات الباردة تفرض على العرب الضغط من أجل عدم وقوع الحرب، أو على الأقل ألا تؤدي إلى إسقاط النظام الحالي، لأن جميع النتائج ستصب في صالح إسرائيل

ثانيا: إسقاط النظام الإيراني سيؤدي حكما إلى تفكيك إيران، وهذه الديناميكية وفي حال نجاح تجربتها في إيران ستعم أرجاء المنطقة، ما يعني الدخول في حرب مائة عام وتحويل المنطقة إلى خراب ممتد، ما سيساعد إسرائيل على تحقيق حلمها بحكم الشرق الأوسط، والواضح أن بروز دعوات حكم إسرائيل من الفرات إلى النيل جاء متزامنا مع التهديد بالحرب على إيران، الأمر الذي يكشف عن وجود حسابات إسرائيل يتم العمل على تحويلها لأمر واقع.

ثالثا: حتى لو فرضنا أن إيران بقيت محتفظة بوحدتها تحت قيادة نظام جديد، فهذا النظام سيكون صنيعة أمريكا وإسرائيل، وثمة طموح إسرائيلي إلى بضم إيران ما بعد نظام الملالي إلى محورها مع الهند لوضع العالم العربي بين فكي كماشة، بذريعة مواجهة "الإسلام السني المتطرف"، الأمر الذي سيضع المنطقة بمأزق إستراتيجي خطير وبمواجهة قوى كبرى وناقمة على العالم العربي وطامعة بثرواته، وسيعيد إنتاج دورة الحروب والاستنزاف إلى أمد بعيد.

الحسابات الباردة تفرض على العرب الضغط من أجل عدم وقوع الحرب، أو على الأقل ألا تؤدي إلى إسقاط النظام الحالي، لأن جميع النتائج ستصب في صالح إسرائيل التي أصبحت تعلن بشكل واضح نواياها في تهويد ما تبقى من الأرض الفلسطينية والاستيلاء على مساحات واسعة من الجغرافية العربية، وبناء تحالفات مع الهند وإثيوبيا لخنق العالم العربي وتهديد أمنه والسيطرة على ثرواته.

x.com/ghazidahman1
التعليقات (0)