طرحت أزمة مضيق
هرمز تحديات
اقتصادية على المستوى العالمي، فقد كشفت الأزمة أن قطاعات كثيرة تعتمد
في استمرارها، فضلا عن نموها وتطورها، على ما يمر من مضيق هرمز من وقود وبضائع ضرورية
للصناعة والزراعة والطب، الأمر الذي شكل تهديدا وجوديا لكثير من القطاعات. وفي ظل
ترابط الاقتصاد العالمي، فإن مساحة التأثير طالت مجمل هذا الاقتصاد، ما جعل
التفكير بمخارج لهذه الأزمة مسألة ضرورية وليست ترفا، واليوم قبل غدا.
ليست جديدة مسألة
البحث عن
ممرات تجارية في المنطقة، فقد دخلت هذه القضية في صلب التنافس الجيوسياسي
العالمي، في مرحلة يعاد فيها رسم خرائط التجارة العالمية، حيث تصبح السيطرة على
الممرات، وصناعتها أحيانا، جزءا من بنية النفوذ التي يحاول الفاعلين الكبار
تأسيسها، بناء على المعطيات الجديدة في الصراع الدولي. وفي هذا الإطار شهد العالم
تنافسا حادا بين مشروعي "الحزام والطريق" الصيني و"الممر الهندي"،
وكلا المشروعين يعبران الشرق الأوسط.
تراكب هذا
التحوّل مع أزمة مضيق هرمز الطارئة، واكتشاف الفاعلين الإقليميين والدوليين أن استمرار
الاعتماد على مسار تجاري واحد هو مغامرة استراتيجية غارقة في المخاطر، وأن الأمر
يحتاج إلى تفكير ثوري وجريء لإيجاد بدائل، فالعالم لا يتحمل مثل هذه المغامرة، في
ظل حالة الاعتمادية الشديدة على الطاقة ومنتجات الأمونيا واليوريا، التي تحتاجها
بشدة قطاعات الطب والزراعة.
في ظل هذا الوضع
تنبهت دمشق، بتحفيز تركي ملحوظ، إلى إمكانية تحويل الجغرافية إلى أصل استراتيجي
مهم، فوقوعها على البحر المتوسط، وتوسطها للجغرافية الخليجية والأوروبية، يجعل
منها بديلا قابلا للتحقّق، إذا ما تم دمج هذا الطموح بتوجهات دول الخليج العربي
والاتحاد الأوروبي إلى دعم
سوريا، ذلك أن هذا المشروع في حال تحقّقه سيشكل رافعة
لتطوير سوريا وتأمين الموارد اللازمة لبناء البنية التحتية، من طرق وسكك حديدية
وموانئ وكهرباء، من دون الحاجة إلى مؤتمرات للمانحين أو اللجوء للقروض، حيث سيخلق
المشروع ديناميكية اقتصادية وقدرات تشغيلية تستفيد منها جميع القطاعات الاقتصادية
السورية.
لكن، إشكالية هذا
المشروع أنه يتصادم مع المشروع
الإسرائيلي، الذي كان له دور أساسي في تظهير مشروع
الممر الهندي، كما يخصم من حصة إسرائيل، بل وقد يلغي جزءا كبيرا من أنصبة إسرائيل
في المشروع، ذلك أن التصوّر الإسرائيلي كان يقوم على أن تشكل موانئ حيفا وتل أبيب
ركيزة هذا المسار ونقطة الوصل بين آسيا وأوروبا، سواء عبر مشاريع الطاقة التي
تربطها بقبرص واليونان، أو من خلال تحوّلها إلى مركز وسيط للتجارة الآسيوية الأوروبية،
وما يعنيه ذلك من عوائد وقيم مضافة لإسرائيل، فضلا عن دمجها في اقتصاديات المنطقة
والعالم.
ورغم امتلاك
إسرائيل لبنى تحتية متطورة، بعكس سوريا التي تحتاج لاستثمارات كبيرة، ولا سيما في
مجالات تطوير الموانئ ومنشأت التخزين والإدارة اللوجستية للتجارة الكثيفة، إلا أن
إسرائيل تدرك أن حظوظ سوريا للفوز بالمشروع، وتحويل مسار الممر الهندي إلى سوريا،
وجعل إسرائيل مجرد رافد صغير، أكبر بكثير من حظوظ إسرائيل، لأسباب جغرافية من نوع
الارتباط البري السوري بأوروبا عبر تركيا، وكذلك خبرة تركيا المديدة في تجارة
الطاقة وإدارة المعابر، وأيضا سياسيا تدرك إسرائيل أن بعض دول الخليج، ولا سيما
السعودية وقطر، ستفضل المعبر السوري- التركي، ولا سيما في ظل استمرار انتهاكات
إسرائيل في غزة ولبنان وسوريا وتهديدها للأمن القومي العربي عبر الترويج لمشروع
إسرائيل الكبرى، كما لم تعد إسرائيل تثق بالتوجهات الأوروبية في ظل تنامي الانتقادات
التي توجهها أوروبا للسياسات الإسرائيلية، ومطالبة بعض دولها بوقف اتفاق الشراكة
مع تل أبيب.
الواضح أن
إسرائيل باتت تتعاطى مع هذا المتغير بشكل جدي، وباتت في الأونة الأخيرة ترفع من
منسوب تعدياتها على الأراضي السورية، والواضح أن الهدف لم يعد أمنيا بشكل مطلق كما
كانت تدعي إسرائيل، إذ لو كان الأمر كذلك، فإن إدارة إسرائيل للأمن في مناطق جنوب
سوريا خلال أكثر من عام، وما كوّنته من خبرة مدعومة بمعلوما استخباراتية وافية، وما
أسسته من أنساق دفاعية متقدمة، فضلا عن توجهات دمشق الداعية إلى الابتعاد عن
الصراع والالتفات للداخل وأزماته، كان كل ذلك كافيا لتتراجع تدخلاتها واعتداءاتها
على الأراضي السورية، ولا سيما وسط إنشغالها بالحرب على إيران ولبنان.
لا تفسير لذلك، سوى
أن إسرائيل تريد إيصال رسالة للدول الخليجية وأوروبا، أنها يمكنها تفجير أمن سوريا
وتهديدها في أي لحظة وتهديد استقرارها، ومن ثم لا إمكانية لتأسيس استثمارات كبيرة
في هذا البلد، وعلى الأطراف التي تقف خلف مشروع تحويل سوريا إلى ممرات للطاقة
والتجارة أن تعيد حساباتها. وقد تنبه الرئيس السوري أحمد الشرع لهذه المسألة حينما
دعا أوروبا، على هامش اجتماع قبرص لأن تضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها على سوريا،
رابطا ذلك بمصالح جيوسياسية بين سوريا وأوروبا.
لا شك ان سوريا أمام
فرصة مهمة للاندماج بالاقتصاد الإقليمي والدولي، عبر تحوّلها إلى مسار طاقوي
وتجاري للمنطقة، لما ستنتجه هذه الفرصة من مكاسب اقتصادية مهمة، لكن هذا الأمر
يصطدم بالطموح الإسرائيلي، وبالشراكة الهندية- الإسرائيلية التي تسعى للتحكم
بالتفاعلات الجارية في المنطقة، وإعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي بما يتناسب مع
مصالحهما، والأهم أن هذا التحوّل قد لا يجد له داعمين إقليميين ودوليين لديهم
الرغبة في تحدي إسرائيل.
x.com/ghazidahman1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.