هل تعلن دول الخليج الحرب على إيران؟

غازي دحمان
"دول الخليج العربي تجد نفسها بين تحديين خطيرين"- جيتي
"دول الخليج العربي تجد نفسها بين تحديين خطيرين"- جيتي
شارك الخبر
تجد دول الخليج العربي نفسها في أتون حرب طالما عملت، عبر قنوات رسمية وأخرى خلفية، على منع انفجارها، فيما بدا أنه تقدير استباقي لتداعيات قد تحصل، انطلاقا من خبرتها بطرفي الصراع، وبالأخص إسرائيل وإيران، ولا سيما حساباتهما ومخططاتهما وأهدافهما تجاه دول الخليج العربي.

ليس سرا، أن غالبية دول الخليج عملت على إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح الدبلوماسية فرصا أكبر في التعاطي مع الملف الإيراني، كما سعت إلى طمأنة إيران بأن الخليج لن يكون لا ممرا ولا منطلقا لأي هجمات ضدها، واللافت أن إدارة ترامب قبلت بالفعل بهذه المعادلة والتزمت بها إلى حد بعيد، إلا أن الجانب الإيراني أصر على استهداف دول الخليج، حتى أن الجزء الأكبر من فعاليته الحربية تركزت في المنطقة بدل التركيز الكامل على إسرائيل.

تذهب التفسيرات التي تناولت هذا التطور في الحرب الإيرانية مع أمريكا وإسرائيل، إلى أن ضعف مخزون الأسلحة البالستية وعدم إحداثها فارقا كبيرا في المعركة، جعل إيران تركّز أكثر على استهداف مواقع في الخليج، عبر أسلحة متوسطة ومتوفرة بكميات أكبر في المخازن الإيرانية، وفي غالبيتها مواقع مدنية، مثل المطارات وبعض مواقع إنتاج الطاقة، وذلك لدفع دول الخليج للضغط على واشنطن لإيقاف الحرب، لما لهذه الدول من مونة وتأثير على صانع القرار الأمريكي.

في الخليج يعرفون هذه المعادلة التي يسعى نتنياهو إلى صياغتها للتأثير على الأمن الخليجي ووضع السعودية وقطر في موقف استراتيجي معقّد يضعف مواقفهما الرافضة لسياساته في المنطقة، وإجبارهما تاليا على خيارات أخرى من نوع قبول التطبيع دون قيد أو شرط،

وثمّة تفسير آخر يربط ما حصل بالتطورات الدراماتيكية التي أنتجها اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد كبير من القيادات العسكرية والاستخباراتية، وتضعضع مستويات القرار في طهران، وتأثير قيادات وسطى على قرار سير المعارك، وهذه القيادات في الغالب تعمل تحت تأثير عاطفي وتحت وقع هاجس احتمال اقتلاع النظام، وبالتالي راحت تعمل وفق منطق شمشوني على قاعدة هدم المعبد الشرق أوسطي على الجميع.

ومن الواضح أن إسرائيل تسعى بالفعل إلى حشر النظام الإيراني في زاوية ضيقة لدفعه إلى اتباع سلوك انتحاري ضمن مجاله الخليجي، وبذلك تحقّق عدة مكاسب بضربة واحدة، فمن جهة تؤكد روايتها بأن النظام الإيراني خطر على السلم والأمن الدوليين، بدليل استهدافه لجيرانه وتعطيل طرق الملاحة الدولية والتسبب بأزمة وقود خانقة على المستوى العالمي، ومن جهة أخرى، إضعاف دول الخليج، التي اعتبر نتنياهو أن بعضها، دون أن يسميها، تنخرط ضمن ما يسمى "الإسلام السني الراديكالي" الذي يتوجب ضربه ومحاربته.

في الخليج يعرفون هذه المعادلة التي يسعى نتنياهو إلى صياغتها للتأثير على الأمن الخليجي ووضع السعودية وقطر في موقف استراتيجي معقّد يضعف مواقفهما الرافضة لسياساته في المنطقة، وإجبارهما تاليا على خيارات أخرى من نوع قبول التطبيع دون قيد أو شرط، وعدم الاعتراض على سياساته تجاه الفلسطينيين وسوريا وفي الصومال والقرن الأفريقي، والتراجع عن فكرة تشكيل تحالف إقليمي يشمل تركيا وباكستان لمواجهة سياسات الغطرسة الإسرائيلية.

لكن المعضلة الحقيقية التي تواجهها دول الخليج أنها تعرف الأهداف الأبعد لنتنياهو من هذه الحرب، وهي إسقاط نظام إيران، ودعم الفوضى والعمل على تفكيك الجغرافية الإيرانية وتقسيمها بين القوميات التي ينتظر بعضها هذه اللحظة منذ زمن، وهو الأمر إذا تحقّق فسيكون نتنياهو بالفعل قد غيّر الشرق الأوسط، وأسّس لإسرائيل الكبرى التي يتزايد التبشير بها من دوائر أمريكية وإسرائيلية، ووضع حجر الأساس لتفكيك تركيا وسوريا والعراق، بمعنى أنه ثبّت سيطرة إسرائيل على المنطقة بالكامل عبر الكيانات التي سيضعها خناجر في خواصر دولها الأساسية.

المؤسف أن قيادة إيران لا تدرك خريطة المخاطر التي تنطوي عليها الحرب، وهي تراها من زاوية واحدة، أنها حرب غير متماثلة ومن حق إيران استعمال كل أوراق القوّة لديها، بما فيها ضرب دول الخليج

والأهم من ذلك، أن نتنياهو يوسّع بيكار استراتيجيته في الحرب على إيران، عبر طموحه بإعادة إيران، سواء موحّدة أو مقسّمة، إلى حظيرة التحالف مع إسرائيل، لتصبح رافدا لتحالف تل أبيب-نيودلهي، ووضع منطقة الخليج، والمنطقة العربية عموما، تحت قوس تهديد يمتد من المحيط الهندي إلى الخليج العربي، ويجعل القيمة الاستراتيجية للدول العربية ضعيفة إلى حد بعيد، من خلال امتلاك التحالف المُشار إليه مفاتيح الأمن والاستقرار في المنطقة.

المؤسف أن قيادة إيران لا تدرك خريطة المخاطر التي تنطوي عليها الحرب، وهي تراها من زاوية واحدة، أنها حرب غير متماثلة ومن حق إيران استعمال كل أوراق القوّة لديها، بما فيها ضرب دول الخليج، وإضعاف اقتصاداتها، ولا سيما قدرتها في سوق النفط عبر التأثير على تجارة الطاقة، وتهديد الأمن والاستقرار فيها، من خلال تفكير يغلب عليه الطابع الكيدي والثأري ولا ينطوي على أي ملمح استراتيجي يقرأ الأبعاد الحقيقية للحرب ولا طبيعة الأهداف الإستراتيجية للخصم.

المشكلة أن دول الخليج العربي تجد نفسها بين تحديين خطيرين، لكن بمنطق الأولويات، فإن الأولوية الراهنة تتمثل في مواجهة حرب داهمة تستهدف أمنها واقتصادها، وهي الحرب التي تشنها إيران، الأمر الذي سيجبرها على اتخاذ إجراءات دفاعية لحماية أمنها الذي بات على محك التهديد الإيراني الذي يضغط بقوّة على العصب الخليجي ولا يترك أي خيارات أخرى أمام عرب الخليج سوى الدفاع عن أنفسهم ما دامت إيران لا تريد فهم اللعبة ولا تقدّر مخاطرها البعيدة.

x.com/ghazidahman1
التعليقات (0)