نتنياهو الذي فاته القطار.. يدمي لبنان

غازي دحمان
"الواضح أن الهدف من هذه الضربات هو استعراض للقوة بهدف إرهاب المنطقة بأكملها"- جيتي
"الواضح أن الهدف من هذه الضربات هو استعراض للقوة بهدف إرهاب المنطقة بأكملها"- جيتي
شارك الخبر
وكأن طائرات الكيان الصهيوني كانت مجهّزة للقيام بغارات على إيران وجاء قرار وقف إطلاق النار مفاجئا، ومن ثم لم يجد نتنياهو بدّا من تحويل اتجاه هذه الطائرات إلى لبنان، فهذا النوع من الضربات، أكثر من مئة غارة في عشر دقائق، يفوق قدرة لبنان، الجغرافية والسكانية، على استيعابه وتحمله، إنها قوّة فائضة عن اللزوم والحدود والمنطق.

لماذا كل هذا الجنون وتلك العربدة؟ من المؤكد أن نتنياهو وحكومته يدركون أن ضربة واحدة لن تقضي على حزب الله، رغم أن الضربة الموزعة على الجغرافية اللبنانية توازي قوتها التفجيرية سلاح نووي صغير وربما متوسط.

الهدف العملياتي يبدو أكثر ضآلة في ظل هذه العربدة الإسرائيلية، إذ على مدار أسابيع كانت النتائج العملية للحرب على لبنان منخفضة إلى حد بعيد، بدليل تعثر إسرائيل في تحقيق نتائج مهمة على جبهة جنوب لبنان، رغم حشدها العسكري الكبير، والذي يمثل ذروة ما تستطيع فعله تجاه جبهة بحجم جنوب لبنان، ورغم ذلك لم تؤد جميع جهودها الحربية إلى إحداث تغيير في مستوى تهديد عمليات حزب الله على شمال الأراضي المحتلة ووسطها.

الإسرائيلية على لبنان تخفي نزقا سياسيا مكشوفا ومحاولة حكومة نتنياهو الهروب إلى الأمام وتعقيد الأوضاع في المنطقة أكثر، إذ إن نتنياهو ليس راضيا على الموقف الأمريكي والتفاوض مع إيران، وهي لحظة طالما تخوّفت منها حكومة نتنياهو

الواضح أن الهدف من هذه الضربات هو استعراض للقوة بهدف إرهاب المنطقة بأكملها، وإعلان بداية مرحلة تريد إسرائيل القول من خلالها أنها باتت أكثر تحررا في أعمالها وخارج كل الأعراف والقيم والقوانين الدولية، أنها باتت قوة لا تجارى. على كل حال ربما يعتبر نتنياهو أنه يعمل تحت سقف تهديدات ترامب بمحو حضارة، فأن يقتل المئات والآلاف في غارات جوية عنيفة فهذا أقل من مسح دولة عن الوجود؛ هو جحيم صغير ما دام بات العالم متصالحا مع جحيم بحجم تدمير دولة ومسحها عن الخارطة.

لكن الضربات الإسرائيلية على لبنان تخفي نزقا سياسيا مكشوفا ومحاولة حكومة نتنياهو الهروب إلى الأمام وتعقيد الأوضاع في المنطقة أكثر، إذ إن نتنياهو ليس راضيا على الموقف الأمريكي والتفاوض مع إيران، وهي لحظة طالما تخوّفت منها حكومة نتنياهو، وبالتالي فهي تعمل على إعادة خلط الأوراق في المنطقة، وربما دفع إيران إلى التراجع عن التفاوض مع واشنطن، وبالتالي وضع إدارة ترامب في موقف صعب ودفعه لاستخدام أقصى درجات القوّة مع إيران، أي العودة إلى فكرة الجحيم وتدمير إيران، ورد الأخيرة بتدمير ما تستطيع تدميره في دول المنطقة.

ليس سرا أن نتنياهو فشل في تحقيق أي من أهداف الحرب الاستراتيجية، ولا سيما تدمير البرنامج النووي الإيراني وإضعاف قدراتها الصاروخية، فضلا عن هدف تفكيك إيران، ويتعرض لحملة انتقادات شرسة من قبل المعارضة الداخلية، وبات مستقبله السياسي على المحك، لا سيما أن الانتخابات باتت قريبة، كما أن هناك من يعمل على الدفع بقوّة بمسار محاكمته بقضايا الفساد، ما يعني أن حربه على إيران عادت عليه بخسائر كبيرة دون تحقيق أي مكسب سياسي داخلي أو استراتيجي على مستوى المنطقة.

بالتوازي مع ذلك، أضعف نتنياهو، إلى حد بعيد، موقف إسرائيل في أمريكا، وقد تكون هذه آخر حرب تخوضها واشنطن لصالح إسرائيل، فقد وصلت الأمور إلى حد دفع أعضاء من الحزب الديمقراطي بطلب
يدرك نتنياهو أن حربه لم تتمكن من إزالة الخطر الإيراني، بل العكس هو ما حصل، إذ إن إيران أصبحت أكثر قوّة من خلال تحوّلها إلى طرف مؤثر ومقرّر في السياسات الدولية ومسارات الاقتصاد العالمي، من خلال ورقة مضيق هرمز
إقالة ترامب لدخوله حربا لصالح إسرائيل وتضر بالمصالح القومية الأمريكية، كما تشهد أوساط الحزب الجمهوري امتعاضا من الحرب التي لم تكن لها ضرورة أمنية مهمة بالنسبة لواشنطن، حيث يعتقد جزء كبير من الرأي العام الأمريكي أن هذه ليست حرب أمريكا، وأن إدارة ترامب سيقت لهذه الحرب إرضاء لإسرائيل دون تحقيق أهداف استراتيجية ذات قيمة كبيرة لواشنطن.

يدرك نتنياهو أن حربه لم تتمكن من إزالة الخطر الإيراني، بل العكس هو ما حصل، إذ إن إيران أصبحت أكثر قوّة من خلال تحوّلها إلى طرف مؤثر ومقرّر في السياسات الدولية ومسارات الاقتصاد العالمي، من خلال ورقة مضيق هرمز، التي لا يبدو أن أمريكا قادرة على انتزاعها منها، ولا إيران مستعدة للتخلي عنها، وهذا الأمر سينعكس حكما على مواقف إيران الإقليمية في المرحلة المقبلة، ويعطي دفعا كبيرا لحلفائها في المنطقة.

كما يدرك نتنياهو أنه سيضطر، تحت ضغط الأمريكيين، على الالتزام بالتهدئة وضبط النفس، لذا يحاول استباق الزمن الذي ستأمره به واشنطن بالتوقف عن الحرب، عبر إنزال أقصى درجات الألم بلبنان، بحزب الله وبيئته وبالدولة اللبنانية نفسها، لكنه يدرك أن القطار فاته، وأنه مقدم على مرحلة سيئة جدا على المستويين الشخصي والسياسي، إنه يعيش خريف أيامه، لذا قد يقسو في طلقاته الأخيرة على لبنان وربما الجوار، لكنه لن يغير الشرق الأوسط ولن يجعل إسرائيل صاحبة اليد العليا في المنطقة كما هيأت له أحلامه يوما ما.

x.com/ghazidahman1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل