أفرزت الحرب السورية أسوأ
قوى أمر واقع،
لم تكن ضمن تصورات غالبية السوريين عندما أطلقوا ثورتهم؛ قوى متطرفة لا يمكنها
بناء دولة ومؤسسات فاعلة، وجميع المسارات التي تتخذها الآن ستؤدي بالبلد إلى الانفجار
الحتمي، فكل ما تقوم به هذه القوى منذ سقوط نظام الأسد ليس سوى إرهاق الدولة لإسقاطها
عبر الاستنزاف الدائم، وتدمير أهم مكونات الدولة عبر الإصرار على تدمير النسيج
الوطني.
تكشف متابعة الأحداث في مناطق شرق الفرات
وقبلها في الساحل والسويداء، أن قوى الأمر الواقع، حصّنت أنفسها ليس بقوى وتشكيلات
عسكرية وحسب، وإنما بفرق كاملة من
المثقفين، ساهموا في صناعة
سرديات قوى الأمر
الواقع، ونظّروا لسلوكها وأفعالها، واستثمروا كل طاقاتهم لتبرير ما تقوم به تلك
القوى، في معاكسة مكشوفة للوقائع والأحداث، قبل أن تكون مهترئة وبالية بمقاييس
الأحلاق والمنطق.
تكشف متابعة الأحداث في مناطق شرق الفرات وقبلها في الساحل والسويداء، أن قوى الأمر الواقع، حصّنت أنفسها ليس بقوى وتشكيلات عسكرية وحسب، وإنما بفرق كاملة من المثقفين، ساهموا في صناعة سرديات قوى الأمر الواقع، ونظّروا لسلوكها وأفعالها
واللافت أن المهمة المقدسة التي تنشغل
بها فرق المثقفين تتمثل بدرجة أساسية على إعادة هندسة النسيج الوطني، عبر وضع
محددات أمام إمكانية رتقه وإصلاح ما تعرض له من أعطاب خلال مراحل سابقة، عبر استخدامها
المكثف لأدوات مثل الشوفينية والشعبوية المفرطة والديماغوجيا، لصناعة حواجز عالية
تفصل بين المكونات السورية وتشكيل رأي عام داعم لقوى الأمر على مختلف الجبهات.
تحاول فئات المثقفين هذه تصوير ما يحصل
في
سوريا ضمن حرب الخير والشر، فهناك شياطين وهناك ملائكة، عبر محاولة إضفاء صورة
ناعمة لقوى هي في الواقع نتاج أيديولوجيات متطرفة، وعقائد إقصائية، ولا ترى للطرف
الآخر أي قيمة أو وزن أخلاقي، وتعتقد أن حتى مجرد وجوده يشكل خطرا ما يتطلب إزاحته
نهائيا عن المشهد، أو في حالات أخرى قطع أي قنوات تواصل وقفل كل ممكنات التفاعل
ضمن المجال المجتمعي السوري.
لكن الواقع مفارق تماما لتلك الصور
والتخيلات التي يُراد زرعها في ذهنية السوريين، ذلك أن قوى الأمر الواقع، أو لنقل
النخب الحاكمة في الجغرافيا السورية، بكل تلاوينها وانتماءاتها، ليست سوى بنى
متخلفة، تحمل أفكارا عقيمة، تجاوزها الزمن والتطورات ولم تعد صالحة للحكم وإدارة
بلاد خرجت من حرب مديدة، هي إعادة لتجارب العراق ولبنان، حيث استولى على السلطة
أمراء الحروب ما ترك البلدان فريسة للضياع والسقوط المستمر.
جميع هذه القوى تضع سرديات مزركشة عن
المظلوميات وتخترع تواريخ ومسارات غرائبية، وتتلطى خلف شعارات براقة، وقد يكون
الحال طبيعيا مع قوى تتصارع على السلطة والموارد والزعامة، لكن ليست مهمة المثقف
السير وراء هذه القوى أو البصم على سردياتها والمساهمة في بناء تلك السرديات، فالمفترض
أن المثقف قادر على قراءة عميقة وبعيدة المدى لا تتأثر بالعواطف
لكن هذا التحوّل، أو بلغة أدق هذه
التبعية، تكشف عن مشكلة أعمق، وهي أن النخب المثقفة فشلت في أن تكون فاعلة ومؤثرة
على المستوى الوطني العام، لم تستطع إثبات نفسها في إنتاج مجال مدني فاعل، فآثرت
الانكفاء ضمن سرديات زائفة وبيئات ضيقة، وصبت جهدها على تدعيم ركائز تلك السرديات
والدفاع المستميت عنها حتى لو خالف ذلك المنطق والعقل.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بقوّة لدى
محاولة تفسير هذه الظاهرة هو: لماذا كان هناك توافق نسبي في زمن الثورة السورية
بين هذه النخب المثقفة في تأييدها للثورة على نظام الأسد وإسقاطه، وتبخّر ذلك بعد
التغيير في سوريا؟ ثمة أمور عدة تفسر هذا التغيير، أولا أن جزءا من مثقفي المرحلة،
الراهنة والذين بدأوا نشاطهم الثقافي والفكري حديثا، هم من أبناء تعقيدات المرحلة
السابقة، والتي تميزت بالإنطواء والانعزال عن بقية الأرجاء السورية، وتربت في
الغالب ضمن إطار الأيديولوجيات والسرديات المهيمنة في مناطق سيطرة قوى الأمر
الواقع، هؤلاء في أغلبهم ليسوا نتاج ثقافة وطنية ولا تمثل الوطنية أي قيمة مهمة
لهم، هم مرتبطون بزعامات وسرديات لا علاقة لها بالوطنية.
ما دامت النخب القادرة على النقد والتصحيح والدفاع عن الحريات والوقوف ضد المظالم وإعلاء قيم الوطن والوطنية، قد تخلت عن دورها وتحولت إلى أبواق لسلطة الأمر الواقع، فسوريا تقف حكما على عتبة الضياع
الفئة الثانية، هم في الغالب موجودون في
الخارج (أوروبا وأمريكا)، وعلاقتهم بالثورة السورية تشكلت عبر وسائل التواصل الاجتماعي
بدرجة أساسية، ضمن نطاق علاقات ضيقة، ومعرفتهم بمجريات الأمور هي معرفة عاطفية انفعالية،
وهؤلاء لا توجد لديهم قناعات وثوابت راسخة، ويتأثرون بكل حادث، وما أكثر الأحداث
بعد التغيير.
الفئة الثالثة، وهي الفئة التي عاشت
الثورة وانخرطت بها وتعرضت بالفعل للمخاطر وواجهت لحظات وجودية قاسية. هذه الفئة انقسمت
بدورها إلى عدة مستويات، المستوى الأكبر هم الذين انحازوا بشكل مطلق للجماعة
الأهلية التي ينتمي لها، ولقيادات الأمر الواقع ضمن تلك البيئة، بدون تدقيق أو فحص
لمواقف تلك القوى ومآلات المسارات التي تتخذها، وأعلنوا قطيعتهم مع الثورة وما
أنتجته من واقع، وباتوا يتعاملون بنكاية مع قيم الثورة، في تماه مكشوف مع قوى
الأمر الواقع التي يتبعون لها، في حين أن من اصطفوا مع السلطة القائمة في دمشق
نسفوا كل قناعاتهم وثقافتهم السياسية وباتوا مطبلين علنيين للسلطة. أما المستوى الآخر
ضمن هذه الفئة فقد ضاعت أفكارهم ولم يعد لديهم رؤية واضحة، وباتوا يجاملون الجميع
ويتبنون قضايا الجميع من دون رؤى واضحة ولا تفكير منطقي.
سوريا بالفعل باتت في خطر، وما دامت
النخب القادرة على النقد والتصحيح والدفاع عن الحريات والوقوف ضد المظالم وإعلاء
قيم الوطن والوطنية، قد تخلت عن دورها وتحولت إلى أبواق لسلطة الأمر الواقع، فسوريا
تقف حكما على عتبة الضياع.
x.com/ghazidahman1