كيف نتعامل مع العلويين في سوريا؟

ياسر الغرباوي
"ليس سؤالا عن طائفة، بل عن مشروع وطن، وطن ينتصر للمستقبل، لا ينتقم من الماضي"- سانا
"ليس سؤالا عن طائفة، بل عن مشروع وطن، وطن ينتصر للمستقبل، لا ينتقم من الماضي"- سانا
شارك الخبر
في إحدى قاعات التدريب، خلال كورس متخصص في بناء السلام وتحليل النزاعات، بادرتني شابة سورية بسؤالٍ مشحون بالألم: "ماذا نفعل مع الطائفة العلوية التي ظلمتنا كثيرا في عهد النظام البائد؟".. كان السؤال صادقا وقاسيا في آنٍ واحد؛ لم يكن مجرد استفهامٍ نظري، بل خلاصة جرحٍ عميق وتجربة قاسية عاشها ملايين السوريين.

أجبتها بهدوء، محاولا نقل النقاش من ساحة الغضب إلى أفق المستقبل: علينا أن نتعلق بالمستقبل، وأن نُحدِّد هدفنا بوضوح: هل نريد الانتقام أم الانتصار؟ الانتصار أم الانتقام؟

إذا كان هدفنا الانتصار لسوريا المستقبل -سوريا الحرية والعدالة والمساواة- فإن طريقة تفكيرنا يجب أن تختلف جذريا. الانتصار لا يعني كسر الآخر، بل بناء وطنٍ يتسع للجميع، ويمنع تكرار المأساة. أما الانتقام، فغالبا ما يبدو مُرضيا في لحظته، لكنه يقود في النهاية إلى فتنةٍ عمياء، تُشيطن جماعة كاملة، وتُعيد إنتاج العنف بأسماء جديدة.

الانتقام، فغالبا ما يبدو مُرضيا في لحظته، لكنه يقود في النهاية إلى فتنةٍ عمياء، تُشيطن جماعة كاملة، وتُعيد إنتاج العنف بأسماء جديدة

من هذا المنطلق، لا بد أن ننظر إلى المكوّن العلوي باعتباره مكوّنا أصيلا في النسيج السوري، حاضرا في تاريخ البلاد وتكوين دولتها الحديثة، لا كتلة واحدة متجانسة، ولا طرفا واحدا متهما بالجملة.

تفكيك الخطاب وبناء رؤية جديدة

وجهتُ للشابة مجموعة أسئلة، ليس للتبرير، بل لتفكيك الخطاب السائد وبناء رؤية أكثر عدلا وإنسانية:

1. ألم يكن من العلويين من وقف مع الثورة السورية وضحّى من أجلها؟ بلى، وكان بينهم من دفع ثمن موقفه سجنا أو تهميشا أو تهديدا.

2. ألم يتعرض قطاع من العلويين أنفسهم للظلم والتهميش من النظام البائد؟ نعم، فالنظام لم يكن يمثل طائفة بقدر ما استخدمها غطاء، وأدار الاستبداد لمصلحته الضيقة.

3. هل كل العلويين شاركوا في ظلم المكوّن السني أو غيره من المكوّنات الوطنية؟ بالتأكيد لا، التعميم هنا ظلمٌ جديد، يُضاف إلى سلسلة الظلم التي عانى منها السوريون جميعا.

هذه الأسئلة ليست شكلية؛ إنها مفتاح لفهمٍ أعمق: كثير من العلويين كانوا -مثل غيرهم- ضحايا، وإذا أردنا أن ننتصر للمستقبل، فلا يجوز أن نتحول من ضحايا إلى جلادين.

طريق الانتصار: العدالة الانتقالية

الطريق الواقعي والأخلاقي لبناء سوريا المتماسكة يمر عبر العدالة الانتقالية؛ لا بوصفها أداة انتقام، بل مسارا لكشف الحقيقة ومنع التكرار. هذا المسار يستند إلى ثلاثة مبادئ كبرى:

1. معرفة الحقيقة: كشف ما جرى، ومن المسؤول، دون تشويه أو إنكار.

2. جبر الضرر: إنصاف الضحايا ماديا ومعنويا، والاعتراف بآلامهم.

التعامل مع العلويين في سوريا ليس سؤالا عن طائفة، بل عن مشروع وطن، وطن ينتصر للمستقبل، لا ينتقم من الماضي

3. ضمان عدم التكرار: بناء نظم سياسية وقانونية تمنع عودة الاستبداد والقتل والتمييز.

بهذا الفهم، ننتقل من منطق الثأر إلى منطق الدولة، ومن غضب اللحظة إلى حكمة المستقبل.

دروس إنسانية مشتركة

التجارب الإنسانية تُعلّمنا أن الانتصار الحقيقي هو الذي يُغلق أبواب الحرب الأهلية، لا الذي يُراكم أسبابها. حين تُكشف الحقيقة، ويُعترف بالجرم، ويُعاد الاعتبار للضحايا، ويطمئن الجميع إلى عقدٍ اجتماعي جديد، يصبح التعايش ممكنا، ويغدو الوطن بيتا مشتركا لا ساحة صراع. أما مسار الانتقام، فلا يرى ولا يسمع ولا يُبصر؛ قد يحقق مكاسب جزئية، لكنه في المصير النهائي يقود الدولة والمجتمع رأسا على عقب، ويترك جراحا أعمق، ويصنع أحقادا مؤجلة.

خاتمة

نحن اليوم أمام خيارين واضحين: إما أن نتعلم لغة الورقة والقلم، ونرفع شعار: "لا تزر وازرة وزر أخرى"، ونسير نحو بناء جماعة وطنية سورية متماسكة، أو أن ننزلق إلى لغة الانتقام، فنُعمِّم الذنب، ونُشيطن الآخر، ونفتح أبواب فتنةٍ لا تبقي ولا تذر.

إن التعامل مع العلويين في سوريا ليس سؤالا عن طائفة، بل عن مشروع وطن، وطن ينتصر للمستقبل، لا ينتقم من الماضي.
التعليقات (0)