في اليوم
الرياضي بدولة قطر، كنتُ أشارك في الماراثون، أعدّ أنفاسي وأراقب المدى الممتد
أمامي. كان المشهد احتفالا بالحياة؛ خطواتٌ تتسارع، قلوبٌ تنبض، وأعلامٌ تلوّح
للفرح. لكن وسط هذا الزخم، رأيتُ أجملَ امرأةٍ في الماراثون.
لم
تكن الأجملَ بمعايير الأزياء أو الأضواء، بل كانت الأجملَ بحضورها. أنيقةٌ
بابتسامةٍ عريضة، وعينان تنظران بدقّةٍ إلى المضمار، تتابعانه بوعيٍ وترقّبٍ،
كأنهما تستقبلان حدثا أعظم من كل الضجيج. لفتتني إشاراتُها، وحماستُها، وطريقتها
في متابعة المضمار، كأنها تقرأ نبضه.
تساءلتُ:
ما الذي تنتظره؟
وفجأة
بان السرّ. كانت أمّا تنتظر أطفالها المشاركين في السباق المخصّص للصغار، ما إن
لمحَتهم يجرون بين
الأطفال على المضمار حتى تبدّل وجهها نورا، وتفجّر الفرح في
عينيها. تحلّلت آثار الترقّب إلى اندفاعٍ دافئ، واندفعت نحوهم، تحتضنهم، وتبارك
خطواتهم، وتطمئنهم بلمسةٍ تختصر العالم. في تلك اللحظة، أدركتُ أنني لم أرَ امرأة
فحسب، بل رأيتُ أمومة تمشي على الأرض.
ذلك
المشهد المفعم بالعاطفة لم يكن مجرّد لحظةٍ عابرة، بل أعادني سريعا إلى صورةٍ
قديمة محفورة في ذاكرتي، في بلدتي في مصر، في مسقط رأسي. كان موقفا قديما عشته
هناك؛ أمٌّ فقدت وليدها، تبحث عنه في الأزقّة الضيّقة، تسأل بلهفةٍ وقلق، وعيناها
تمسحان الوجوه والطرقات، حتى قيل لها إنّه في الشارع المجاور، فانطلقت تطير
كالفراشة، كأنها تستعيد روحها قبل أن تستعيد طفلها. وحين احتضنته، بكت بكاء شديدا،
بكاء يغسل خوفها ويملأ قلبها امتنانا.
ولعلّ
الذي فجّر هذه الصورة في داخلي، وأنا أنظر إلى الأم في المضمار تنتظر أبناءها، هو
ذات المعنى: ذلك الخيط الخفي بين الخوف والرجاء، بين الفقد واللقاء، بين قلب أمٍّ
يترقّب، وقلب أمٍّ يستعيد. المشهد الحاضر أيقظ المشهد القديم، فأشرق في الذاكرة
كأنه يحدث الآن.
مشهدان
لأمّين: إحداهما تترقّب أبناءها في سباق الحياة، والأخرى تستعيد وليدها من ظلمة
الفقد. كلتاهما تختصران معنى
الرحمة.
وهنا
انفتحت في قلبي نافذةٌ أوسع؛ إذا كانت الأمّ، وهي بشرٌ محدود، يفيض قلبها بكل هذا
الحنان، فكيف برحمة الله؟ الذي قال لنا في كتابه الخالد "كَتَبَ رَبُّكُمْ
عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ". إنها آيةٌ لا تُتلى فحسب، بل تُعاش.
نحن
نركض في مضمار الحياة كما يركض الأطفال؛ نخطئ ونتعثّر ونتباطأ، لكن باب الرحمة
مفتوح، وربٌّ كتب على نفسه الرحمة ينتظر عودتنا إليه أعظم من انتظار أمٍّ لولدها.
ومع شهر
رمضان، يعود السؤال إلينا: هل نركض نحو رحمته كما ركض الأطفال نحو حضن أمهم؟ هل
نطرق الباب كما طرقت الأمُّ أبواب الأزقّة تبحث عن وليدها؟
رأيتُ
أجملَ امرأةٍ في الماراثون، لكنني في الحقيقة رأيتُ ظلّا من رحمة الله يمشي بين
الناس. وربما كان الماراثون الحقيقي ليس سباق الأقدام، بل سباق القلوب نحو باب
الرحمة.