من
عجائب هذا الزمان أن يترك الفاشل معالجة شؤونه المتعثّرة، وينصرف إلى التنظير على
الآخرين وتقديم الدروس لهم. غير أن هذه المفارقة لم تعد سلوكا فرديا عابرا، بل
تحوّلت إلى نهجٍ تمارسه -وبإتقان لافت- مؤسسات إعلامية وشخصيات سياسية في دولة
وصفها مبعوث الرئيس الأمريكي توم باراك، صراحة بأنها "دولة فاشلة".
والحديث
هنا ليس عن توصيف عاطفي أو موقف سياسي، بل عن واقع بنيوي مأزوم، تحاول فيه قوى
وشخصيات سياسية في دولة غارقة بالأزمات أن تمارس دور النقد والتنظير على جارتها
سوريا، وكأنها تمتلك نموذجا ناجحا يُحتذى.
دولة
مأزومة: خلل في البنية وغياب للقرار
يعاني
لبنان من اختلال عميق في بنيته السياسية، حيث أنهكته
الطائفية، وفتّتت المحاصصة
مكوّناته، وعطّلت مؤسساته الدستورية، حتى بات القرار السيادي فيه يُدار أحيانا عبر
رسائل في تطبيقات التواصل، بدل أن يُصاغ داخل المؤسسات الشرعية.
نشأت
هذه الدولة بحدود رسمها جنرال فرنسي، ثم ما لبثت أن تمزّقت بفعل الولاءات
الخارجية، فكان طبيعيا أن تتحول أزماتها البنيوية إلى شلل سياسي واقتصادي وأمني
مزمن. وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال مشروعا: كيف لدولة عاجزة عن إدارة نفسها أن
تنصّب ذاتها مرجعا في تقييم شؤون الآخرين؟
انعكاسات
الداخل: حين تتحول الأزمة إلى نهج
لم
يتوقف أثر هذا الخلل عند حدود الإدارة والسياسة، بل انسحب مباشرة على الداخل اللبناني،
حيث ساهم خطاب التنظير والوصاية في تعميق الانقسام الطائفي، وإجهاض أي فرصة لبناء
مشروع وطني جامع.
ومع
تغييب منطق الدولة لصالح منطق المحاور، تحوّل الخلاف السياسي إلى وقود دائم
للفتنة، وتقدّمت الصراعات الإقليمية على حساب الانهيار الاقتصادي وحقوق المواطن، وبات
الانقسام نفسه وسيلة للبقاء السياسي.
من
دولة إلى ساحة: الوصاية المتجددة
لم
تكتفِ هذه الدولة بعجزها الداخلي، بل تحوّلت بفعل خياراتها السياسية إلى ساحة
خلفية لفلول النظام الأسدي، ومنصة لمليشيات طائفية تابعة لإيران، تُدار منها
عمليات عدائية ضد سوريا، وتُعاد عبرها صياغة أدوار الوصاية بأشكال جديدة.
فبعد
عقود من الوصاية الأسدية التي صادرت القرار اللبناني، برزت قوى لم تدخل يوما قفص
المحاسبة، بل سعت إلى إعادة إنتاج الهيمنة، سواء عبر الولاء السياسي أو عبر تحويل
مفهوم "المقاومة" إلى أداة تُستخدم بالوكالة لخدمة أجندات خارجية.
وهكذا، لم ينتقل لبنان من التبعية إلى السيادة، بل من وصاية إلى أخرى، بثمن واحد:
قرار مرتهن، وعدالة غائبة، ودولة عاجزة.
ازدواجية
المعايير في العلاقة مع سوريا
وفي
مشهد يفيض بالتناقض، استطاعت قوى دولية كروسيا استيعاب المتغيرات وفتح مسار عقلاني
مع الدولة السورية الجديدة، بينما أصرّ لبنان الرسمي على تعطيل ملفات إنسانية
بحتة، في مقدمتها قضية المعتقلين السوريين في سجن رومية.
وفي
الوقت ذاته، تطالب بيروت بفتح المعابر وتسهيل الإجراءات مع دمشق، لكنها تحتضن
وتؤوي ضباطا ومجرمين من رموز النظام السابق، في سلوك يشكّل تهديدا مباشرا لأمن
سوريا، ويقوّض أي حديث جدي عن علاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل.
سجل
عداء وإعلام انتقائي
من
القصير وداريا والغوطة، إلى اعتقال اللاجئين السوريين داخل لبنان، وصولا إلى خطاب إعلامي
متعالٍ وعدائي؛ تراكمت الممارسات التي عمّقت الجراح ووسّعت الفجوة بين الشعبين.
وقد
لعب إعلاميون وسياسيون، أصحاب ولاءات معلنة لمحور إيران، دورا محوريا في تأجيج هذا
الخطاب، رافعين شعار "مقاومة إسرائيل" نظريا، بينما يُستقوى عمليا
بالطيران الإسرائيلي في ضرب الأراضي السورية.
وفي
ذروة المفارقة، لا يتورع هؤلاء عن انتقاد اعتقال القتلة والمجرمين في سوريا، بينما
تعجز الدولة ذاتها عن إطلاق سراح مواطن لبناني بريء، أقرّ مسؤولون حكوميون بأنه
معتقل ظلما منذ سنوات في قضية عبرا، ما يفضح زيف الخطاب الحقوقي وانتقائيته.
صناعة
الوهم وإهدار الفرص
استمرار هذا النهج العدائي تجاه سوريا، والارتهان لمشاريع إقليمية معادية للمحيط العربي، أسهما في إضعاف موقع لبنان الطبيعي، وحرمانه من شبكة الأمان العربية التي كان بأمسّ الحاجة إليها
وبعد
سقوط النظام الذي هيمن طويلا على القرار اللبناني، وقمع أبناءه، وتدخل في أدق
تفاصيل حياته السياسية والأمنية، لم تشهد الساحة مراجعة حقيقية لتلك المرحلة، ولا
كشفا جديا لجرائم الوصاية.
بل
أُهدرت فرصة تاريخية لبناء علاقة متوازنة مع سوريا، كما دعت دمشق نفسها، لصالح
تلميع صورة الوصي الهارب، والتقليل من جرائمه، والإساءة لمن طالبوا بلبنان حرّ سيد
بلا وصاية ولا ظلم.
لبنان
ومحيطه العربي: خسارة الموقع والدور
إن
استمرار هذا النهج العدائي تجاه سوريا، والارتهان لمشاريع إقليمية معادية للمحيط
العربي، أسهما في إضعاف موقع لبنان الطبيعي، وحرمانه من شبكة الأمان العربية التي
كان بأمسّ الحاجة إليها.
فالدول
لا تُبنى في العزلة، وقد أثبتت التجربة أن البديل عن العمق العربي هو مزيد من
الانهيار السياسي والاقتصادي.
يقف
لبنان اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في خطاب التنظير والفشل والارتهان
والطائفية، وإما الشروع في مراجعة جادة تعيد الاعتبار لمنطق الدولة، والسيادة،
والعلاقات المتوازنة مع الجوار.
إن
أخطر ما في خطاب التنظير السياسي ليس فقط افتقاره إلى المصداقية، بل انفصاله عن
الواقع. فالإصلاح يبدأ من الداخل، ومن لا يحسن إدارة أزماته، لا يملك شرعية الحديث
عن أزمات غيره.