من يتأمل تاريخ الأمة الإسلامية بإنصاف وعمق، يدرك أن
سرّ قوتها لم يكن يوما في عِرقٍ بعينه، ولا في حدودٍ جغرافية ضيقة، بل في رابطةٍ
جامعةٍ صاغها الوحي، ورسّخها النبي صلى الله عليه وسلم، وأقامت عليها الأمة أعظم
حضاراتها. تلك الرابطة عبّر عنها القرآن الكريم بوضوح لا لبس فيه: "إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ".
هذه الأخوّة لم تكن شعارا نظريا، بل واقعا عمليا تجسّد
في قيادة الأمة، وفي بنائها العلمي والسياسي والعسكري، حيث انصهرت الأعراق
والثقافات في بوتقة الإسلام، فصنعت مجدا إنسانيا فريدا أقام العدل ونشر الخير دوم
تمييز.
التنوع العِرقي في صدارة المشهد الإسلامي
عبر التاريخ الإسلامي، برز عدد كبير من القادة
والعلماء والمفكرين من أصول متعددة: أكراد، وشركس، وترك، وفرس، وروم، وعرب،
وغيرهم. ولم يكن هذا
التنوع استثناء أو حالة عابرة، بل كان القاعدة الطبيعية لأمةٍ
عالمية الرسالة، لا تعرف الانغلاق ولا العصبية.
أدركت أنظمة الاستبداد أن وحدة الشعوب ووعيها المشترك هو الخطر الأكبر على بقائها، فكان تفريق الناس وإشغالهم ببعضهم بعضا هو الخيار الأسهل والأضمن
ومن حكمة الله سبحانه، ومن الدلالات العميقة على
عالمية الإسلام، أن جعل بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم صهيبا الرومي،
وبلالا الحبشي، وسلمان الفارسي، ليؤكد منذ اللحظة الأولى أن ميزان التفاضل هو
التقوى والعمل الصالح، لا اللون ولا النسب ولا الأصل.
أعلام خلدهم التاريخ وتوحّدت غايتهم
وعلى امتداد القرون، قدّمت هذه الأمة نماذج خالدة
لقادة وعلماء اختلفت أصولهم وتوحّدت رسالتهم. فالإمام البخاري، وصلاح الدين
الأيوبي، وألب أرسلان، وملكشاه، ومحمد الفاتح، وسليمان القانوني، وطارق بن زياد،
وغيرهم، كلهم أسهموا في صناعة تاريخ الأمة ورفع رايتها، دون أن تكون أصولهم
العرقية عائقا أو موضوع نزاع.
وحتى في العصر الحديث، برزت شخصيات مسلمة عالمية في
مجالات مختلفة، مثل محمد علي كلاي ومالكوم إكس، جسّدوا قيم الإسلام في الكرامة
والعدالة والتحرر من الظلم. لقد كان هذا التنوع، حين بقي تحت مظلة
الأخوة
الإيمانية، مصدرَ قوةٍ وإثراءٍ لا سببَ فرقةٍ أو صراع.
سقوط الخلافة وبداية التشظّي
غير أن البحث في جذور التنافر والتناحر بين الأعراق
والقوميات داخل العالم الإسلامي يقودنا إلى محطة مفصلية خطيرة: سقوط الخلافة
الإسلامية. فمع هذا الحدث، دخلت الأمة مرحلة جديدة من التفكيك المنهجي، وصعدت
التيارات القومية والوطنية الضيقة، التي استوردت نماذج الغرب الفكرية والسياسية
دون اعتبار لخصوصية مجتمعات الشرق ولا لوجدان شعوبه.
جرى تفكيك الهوية الجامعة، وإعادة تشكيل الانتماءات
على أسسٍ عرقية وحدودية مصطنعة، فتمزّق النسيج الاجتماعي، وتحوّلت الاختلافات
الطبيعية إلى صراعات مدمّرة.
القومية كأداة بيد الاستبداد
في العقود اللاحقة، رغم شعارات
الوحدة والتضامن
والتكامل العربي، شهدت المنطقة موجات متتالية من الظلم والجبروت، غذّاها الطغاة
عبر تعميق الانقسامات العرقية والمناطقية. فقد أدركت أنظمة الاستبداد أن وحدة
الشعوب ووعيها المشترك هو الخطر الأكبر على بقائها، فكان تفريق الناس وإشغالهم
ببعضهم بعضا هو الخيار الأسهل والأضمن.
وهكذا، رُفعت شعارات القومية والانفصال أحيانا باسم "الحقوق"
و"التحرر"، بينما استُخدمت في الواقع لإدامة الاستبداد، وتبرير التدخلات
الخارجية، وإضعاف أي مشروع نهضوي جامع، فانقسم السودان وتشرذم اليمن وتفتت العراق
وزرع الشقاق والخلاف بين المكونات المتآلفة في
سوريا.
من القومية إلى المشاريع الانفصالية:
نموذج "قسد"
التنوع سنة كونية، لكنه لا يصبح نعمة إلا إذا أُدير ضمن إطار جامع، يحفظ الحقوق، ويمنع الاحتكار، ويُعلي قيمة الإنسان بوصفه إنسانا لا مجرد تابع لهوية ضيقة
وفي الواقع المعاصر، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في بعض
المشاريع الانفصالية التي تتخذ من الخطاب القومي أو الإثني ستارا لها، كما هو
الحال مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد). فبدل أن تكون جزءا من مشروع وطني جامع
يحفظ وحدة الأرض والإنسان، تبنّت هذه القوى خطابا تقسيميا، وارتبطت بتحالفات
خارجية، أسهمت في تعميق الشرخ الاجتماعي، وأضعفت فرص التوافق الوطني الحقيقي.
إن تجربة "قسد" وغيرها تؤكد أن القومية حين
تنفصل عن القيم الجامعة، وحين تُستغل سياسيا، تتحول إلى أداة بيد القوى الدولية،
وتخدم -عن قصد أو عن غير قصد- مشاريع التفتيت لا مصالح الشعوب.
الأخوة الإيمانية: البوصلة الغائبة
إن كل من ينادي بأفكار التفرقة والتنافر بين أبناء
المجتمع الواحد، مهما حسنت شعاراته، يجد نفسه في النهاية في تقاطع مصالح مع الطغاة
والمستبدين. فالتاريخ القريب والبعيد يثبت أن لا عودة لهذه الأمة إلى العز والقوة
والسيادة إلا عبر نبذ التفرقة، ومواجهة دعاة الفتنة، وترسيخ ثقافة الأخوة والعدل
والمشاركة الحقيقية بين جميع المكوّنات.
فالتنوع سنة كونية، لكنه لا يصبح نعمة إلا إذا أُدير
ضمن إطار جامع، يحفظ الحقوق، ويمنع الاحتكار، ويُعلي قيمة الإنسان بوصفه إنسانا لا
مجرد تابع لهوية ضيقة.
إن وحدة الأمة ليست حنينا عاطفيا إلى الماضي، ولا شعارا
يُرفع في المناسبات، بل هي ضرورة حضارية لمواجهة تحديات الحاضر وصناعة المستقبل.
وبين مشاريع التفتيت والانفصال من جهة، ودعوات الوحدة والنهضة من جهة أخرى، يبقى
الخيار بيد الشعوب الواعية بعيدا عن "النخب المزيفة".
وما أحوج الأمة اليوم إلى استعادة معناها الخالد، الذي
وحّدها يوما فصنعت التاريخ: إنما المؤمنون إخوة.