قراءة شرعية وسياسية في الفرق بين الرغبة والتحليل
يخلط كثير من الناس بين تحليل المشهد السياسي واستشراف
مآلاته، وبين الرغبات والأمنيات الشخصية. ومن هذا الخلط ينطلق بعضهم لاتهام كل
قراءة واقعية للصراعات المحتملة بأنها دعوة للحرب أو تبرير للعنف، فيسارعون إلى
إعلان مواقفهم السلمية ونبذهم لحمل السلاح، وكأن توصيف الواقع واستقراؤه هو
بالضرورة رغبة في اشتعاله.
والحقيقة أن الإسلام -كما السياسة الرشيدة- يفرّق
بوضوح بين ما يُتمنى وما قد يُفرض، وبين السعي إلى السلم والاستعداد لمواجهة
العدوان إن وقع.
الهدي النبوي بين طلب العافية والاستعداد
للابتلاء
جاء في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه
أن رسول الله ﷺ قال: "يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله
العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".
التمييز بين تمنّي المواجهة -وهو أمر منهي عنه لما فيه من تعريض النفس لابتلاء غير مأمون العاقبة- وبين الاستجابة الواقعية لمواجهة فُرضت فرضا
يوضح هذا الحديث أصلا منهجيا بالغ الأهمية، يتمثل في
التمييز بين تمنّي المواجهة -وهو أمر منهي عنه لما فيه من تعريض النفس لابتلاء غير
مأمون العاقبة- وبين الاستجابة الواقعية لمواجهة فُرضت فرضا. فلقاء العدو امتحان،
لا يُدرى أيفضي إلى الثبات والأجر، أم إلى التخاذل والخسارة، ولهذا كان التوجيه
النبوي واضحا: لا تطلبوا البلاء، ولكن إن وقع فاصبروا واثبتوا.
السلم خيار أصيل.. ما لم يُفرض الصدام
إن نهي النبي ﷺ عن تمني لقاء العدو يعكس أصل السلم في الإسلام،
والسعي إلى حل النزاعات عبر التفاوض والحكمة ما أمكن ذلك. غير أن هذا الأصل لا
يعني تعطيل الاستعداد أو تجاهل الواقع، خاصة حين يُصر الطرف الآخر على العدوان
ويفشل كل مسعى للحل.
فعندما تُفرض المواجهة، لا يكون التراجع أو التردد
خيارا مشروعا، بل يصبح الصبر والثبات والقيام بالواجب هو مقتضى الإيمان
والمسؤولية.
هل استقراء الحرب المقبلة تمنّ لها؟
الخلط بين الأمرين خطأ شائع، فهناك فرق جوهري بين أن
يتمنى الإنسان الحرب، وبين أن يقرأ المؤشرات السياسية والعسكرية ويتوقعها ويستعد
لها.
المؤمن العاقل لا يدفن رأسه في الرمال، بل يستقرئ
الوقائع، ويتابع تحركات الخصوم، ويستعد للأسوأ، دون أن يكون ذلك شغفا بالصدام أو
رغبة في الدماء. بل هو وعي بالسنن، وأخذ بالأسباب، واستحضار لما وعد الله به
المؤمنين من نصر واستخلاف إذا صدقوا وثبتوا.
قسد واتفاق 10 مارس 2025: من الالتزام إلى
التراجع
منذ توقيع اتفاق 10 آذار/ مارس 2025، تراكمت مؤشرات
واضحة على تراجع قوات
سوريا الديمقراطية (قسد) عن التزاماتها، عبر سلسلة من
الخطوات التصعيدية والمتناقضة مع روح الاتفاق:
عسكريا: من خلال القصف، والاعتقالات، وحوادث القتل المتفرقة.
سياسيا: باستضافة ما سُمّي بـ"مؤتمر الأقليات"،
والتلاعب ببنود الاتفاق، والمماطلة في تنفيذ استحقاقاته.
أمنيا واقتصاديا: عبر دعم حركات انفصالية في جنوب
البلاد بالمال والسلاح والتدريب.
تنسيق متزايد بين قسد، وفلول النظام السابق في الساحل السوري، وعناصر مرتبطة بالاحتلال في محافظة السويداء، في إطار تحالف يبدو أنه يُعد لتحرك متزامن يستهدف الدولة السورية الجديدة ومسار استقرارها
إضافة إلى ذلك، برزت مؤشرات خطيرة على الارتهان للخارج
والتنسيق مع الاحتلال الصهيوني، بما يشكل مساسا مباشرا بوحدة البلاد وسيادتها،
ويضع الاتفاق عمليا في مهب الريح.
تحالفات مقلقة ومواجهة تلوح في الأفق
تشير المعطيات إلى تنسيق متزايد بين قسد، وفلول النظام
السابق في الساحل السوري، وعناصر مرتبطة بالاحتلال في محافظة السويداء، في إطار
تحالف يبدو أنه يُعد لتحرك متزامن يستهدف الدولة السورية الجديدة ومسار استقرارها.
ورغم ذلك، التزمت الدولة سياسة الصبر وضبط النفس،
انسجاما مع مبدأ عدم تمني المواجهة، لكنها في الوقت ذاته لم تُهمل الاستعداد،
فجهزت الخطط، ورفعت الجاهزية، بالتعاون مع شعبٍ يرفض العودة إلى عهود الظلم، ومع
حلفاء يرون في استقرار سوريا مدخلا لنهوض الأمة.
أمة لا تتمنى الحرب.. لكنها لا تُفاجأ بها
الفرق كبير بين من يتمنى الحرب، ومن يقرأ الواقع
ويتهيأ لاحتمالاته. فالأمة الواعية لا تطلب البلاء، لكنها لا تتجاهله، ولا تبحث عن
الصدام، لكنها إذا فُرض عليها واجهته بالصبر والثبات والتضحية.
إنها أمة لا تتمنى لقاء العدو، لكنها -إن لقيته- تعرف
واجبها، وتدرك أن النصر لا يُمنح للمترددين، بل للثابتين الصادقين، فهل تتغلَّب
لغة
الحوار والسلم أم تَفتح الأيام القادمة باب حربٍ تُهدد الأمن والاستقرار في
جميع دول المنطقة؟