كل خطوة
نحو إعادة
سوريا قوية وموحدة تسعدنا وهي محل فخر واعتزاز فلسطيني، وبالتأكيد تصب
في صالح القضية الفلسطينية، ومصالح الشعوب العربية والإسلامية؛ وبما أنها كذلك،
فهي لزاما على النقيض بالنسبة للاحتلال
الإسرائيلي، فهي تغيظه، خاصة بعد فشل رهانه
على إضعاف سوريا وإرهاقها بالأزمات، وتقسيم الجغرافية السورية، بما يخدم رؤيته
الصهيونية، وبما يحقق أطماعه الاستعمارية.
هذا
النجاح للجيش السوري، هو تقدم مهم في طريق تثبيت سيادة سوريا على أراضيها وبسط
هيبة حكومتها المركزية، ويقلل من هامش صراع النفوذ بين الأقطاب الإقليمية والدولية
المتعددة في الساحة السورية؛ لكنه بواقعية ليس نهاية المطاف، ولا منتهى الفوز،
فأجزاء من الأراضي السورية ما تزال محتلة من
الاحتلال الإسرائيلي، وأجزاء أخرى ما
زالت تحت حكم كيانات ذات توجهات انفصالية مدعومة بشكل أو بآخر من الاحتلال
الإسرائيلي، الذي يعمل على إبقائها خنجرا في الخاصرة السورية، منعا لوحدة سوريا،
وذريعة لتدخله المستمر، ولتبرير عدوانه مستقبلا بحجج متعددة سواء حفظ أمنه، أو
الدفاع عن الأقليات؛ لذلك
التطبيع مع هذا الواقع، والتصالح مع هذه المخاطر، وفي ظل
وجود هذه التحديات، لن يجلب الأمن والاستقرار الذي تطمح له سوريا ويطمح له كل محبي
الشعب السوري، والأهم سيبقي خطر التقسيم قائما.
ليس مطلوبا من الحكومة السورية قتال كيان الاحتلال الإسرائيلي في هذه المرحلة، بل مطلوب عدم التغاضي عن حقوق سوريا وسيادتها على كامل أراضيها، والعمل الجاد وفق ذلك؛ وليس مطلوبا من المثقف السوري والنشطاء السوريين الدفاع عن التطبيع وتبريره
وحتى لا
يُفهم كلامي في غير سياقه، فليس مطلوبا من الحكومة السورية قتال كيان الاحتلال
الإسرائيلي في هذه المرحلة، بل مطلوب عدم التغاضي عن حقوق سوريا وسيادتها على كامل
أراضيها، والعمل الجاد وفق ذلك؛ وليس مطلوبا من المثقف السوري والنشطاء السوريين
الدفاع عن التطبيع وتبريره، ولا إشاحة الوجه ودفن الرأس في التراب والصمت وكأن
الأمر لا يعنيهم، بل المطلوب التعبير عن الموقف الأخلاقي والقيمي وإظهاره واضحا
وجليا، بأن التطبيع ضرر وشر مطلق لا خير فيه، وهو موقف ومبدأ أصيل، يتبناه كل
الأحرار في العالم، وهم في تعاظم ويزداد تأثيرهم اتساعا، بعدما شاهدوا صمت العالم
المخزي في ظل تعرض أهل غزة للإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع الممنهج على
مدار عامين وما يزالون في الحصار، إضافة لعدوان الاحتلال الإسرائيلي المباشر على
سوريا ولبنان واليمن وقطر والعراق والسودان وإيران، وغير المباشر بتعريض أمن كل من
السعودية ومصر وتركيا للمخاطر، وتشجيع ودعم كل مساعي الانفصاليين في اليمن
والصومال والسودان، على سبيل المثال لا الحصر.
لذلك تكمن
أهمية هذا الموقف الأخلاقي والصدح به من المؤثرين والنشطاء السوريين، في أنه يعزز
جبهة رفض الاحتلال الإسرائيلي، ومساعي الانفصال في سوريا ابتداء أو في الإقليم
عموما، ويزيد من تحصين القرار السوري الرسمي من خلال صلابة الموقف الشعبي، وهو
عامل تصويب بالغ الأهمية للمسار السوري الوطني، إذا ما حدث هناك اعوجاج في الطريق،
وعدول عن جادة الصواب القيمي والأخلاقي، نتيجة السعي لتحقيق مصالح ومكاسب آنية
ضيقة، مع عدو الحرية والعدالة والكرامة والإنسانية، نظام الفصل العنصري البغيض
"الاحتلال الإسرائيلي"، الذي بات منبوذا من معظم دول العالم، وحتى عبئا
ثقيلا على داعميه؛ فلا يعقل أن يمد له نظام ما بعد ثورة الحرية في سوريا يده!
بالتحصن
بالوعي، والسعي المستمر لاستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية المحتلة، وإبقاء
هذا الفهم حاضرا، يمكن بناء سوريا المستقبل، التي تحفظ الكرامة والأمل للشعب
السوري الشقيق، الذي قدم تضحيات جسام لاستعادة حريته واعادة بناء مؤسسات وطنه، بما
يخدم آماله وتطلعاته، وبما يليق بمكانة سوريا التاريخية كحاضرة من حواضر الحضارة
والمعرفة.