بين السفير والقس: عن الانتقائية في السياسة الدولية

عزات جمال
"لم تكن خلفيته كقس إنجيلي تفصيلا عابرا في المشهد العام"- جيتي
"لم تكن خلفيته كقس إنجيلي تفصيلا عابرا في المشهد العام"- جيتي
شارك الخبر
في كل مرة يُعين فيها مسؤول غربي ذو خلفية دينية واضحة في موقع رسمي، ومن ثم يسقط معتقداته الدينية على الواقع السياسي، يتجدد السؤال: لماذا لا يُطالب بترك أفكاره ومعتقداته على عتبة المنصب؟ ولماذا يُنظر إلى امتزاج الدين بالسياسة في النموذج الغربي المعاصر بوصفه تعبيرا ثقافيا مشروعا، حتى لو تنافى مع معتقدات المجتمع الغربي ذاته؛ بينما يُدان ذات الأمر حين يصدر عن سياق إسلامي، باعتباره تهديدا للحداثة والدولة والنظام؟

حين برز اسم "مايك هاكابي" في موقع دبلوماسي رفيع، لم تكن خلفيته كقس إنجيلي تفصيلا عابرا في المشهد العام، ومع ذلك جرى التعامل معه بوصفه جزءا من هوية شخصية داخل منظومة مؤسساتية راسخة. هنا تكمن المفارقة: التدين الغربي يُفهم كقناعة فردية محكومة بضوابط دستورية، بينما يُفهم التدين الإسلامي كمشروع رجعي لا يمت للحضارة والمدنية بصلة.

لماذا لم نسمع دعوات من قبيل: على السفير الأمريكي هاكابي، الكف عن كونه "القس هاكابي" وألا يُسقط معتقداته "الانجليتلمودية" على واقع فيه من الاضطرابات والتعقيدات ما فيه، وكأنه يصب بمواقفه المزيد من الزيت على النار المشتعلة؟

إذا من يملك حق تعريف الشرعية؟

حين يتحدث سياسي غربي بلغة دينية كهنوتية، مطلوب منا أن نفهم خطابه ضمن سياق ثقافي تعددي، أما عندما يستند سياسي مسلم إلى مرجعية دينية فيُفترض فيه مسبقا الرجعية، وتهديد التعددية

باعتقادي، المُشكل ليس في وجود الدين داخل المجال السياسي؛ بل في كيفية تعريف هذا الوجود. حين يتحدث سياسي غربي بلغة دينية كهنوتية، مطلوب منا أن نفهم خطابه ضمن سياق ثقافي تعددي، أما عندما يستند سياسي مسلم إلى مرجعية دينية فيُفترض فيه مسبقا الرجعية، وتهديد التعددية.

هذه الازدواجية المقيتة في التفسير تكشف عن الإشكال الأبرز الذي يهدد وحدة وأمن الشعوب، ويُعبر عنه وفق نظرية: من يملك القوة يملك حق تعريف ما هو "حضاري" وما هو "رجعي". فالإنجيلي "المبتدع" وفق رؤية أصحاب التيارات المسيحية العريقة، والذي يدعم دون خجل سياسات منحازة للاحتلال الإسرائيلي، انطلاقا من رؤية دينية، يُقدم كجزء من ديمقراطية عريقة، بينما يُقدم الإسلامي كحالة مرضية تحتاج إلى احتواء أو عزل.

إرث القوة ومعاييرها، والإرث الاستعماري، ومحاولة الإخلال بموازين النظام الدولي؛ حينما اجتمع الهوس الكهنوتي مع جشع التجار وأصحاب رؤوس الأموال. هذه الوصفة لن تجلب الأمن والاستقرار، بل تؤسس لتصادم حضاري لا بد وأنه حاصل، لغياب أهم المبادئ، وهو العدالة في التعامل مع المجتمعات.

فإذا كان النموذج الغربي يسمح بامتزاج القيم الدينية بالسياسة، ويُباح فيه هذا الامتزاج حين يصدر عن قوة مهيمنة، ويُدان حين يصدر عن الآخرين، فذلك ليس دفاعا عن الحضارة والمدنية؛ بل هو تعبير فج لامتياز القوة.

في النهاية، المسألة ليست في هوية السفير الدينية بقدر ما هي في غياب العدالة وصوت العقل. فعندما تُمنح بعض الهويات حصانة، وتُحرم أخرى من حق التجربة، يبرز السؤال المفتوح أمام العالم الإسلامي، ليس كيف يقلد النموذج الغربي أو يعاديه، بل كيف يؤسس لشرعية سياسية تُحترم فيها القيم والموروث الاسلامي العريق، تقوم على مؤسسات تضمن الحرية والعدل للجميع، في عالم لا يتحكم فيه أمثال العنصري هاكابي ومن هم على شاكلته.
التعليقات (0)