العلاقة المتوترة بين أمريكا وإيران علاقة قديمة تتجاوز
الذرائع المعلنة التي بلغت خلال الأسابيع الماضية تهافتا سخيفا، فمن الاعتراض على
التعامل العنيف مع التظاهرات، إلى منع إعدام المعتقلين في التظاهرات، إلى العودة
فجأة إلى المفاوضات، إلى إرسال حالمة طائرات جديدة (جيرالد فورد) المتخصصة في
اعتقال الرؤساء كما يشيرون، في تسلسل غريب وغير مترابط مع سير الأحداث. وعلى المستوى
القريب يكاد الإنسان يبلغ أكبر درجات الملل والسأم من هذا الملف القريب من منطقتنا،
لكن لفت نظري في كل هذا الخضم المتراكم من الأحداث شيء يتصل بتاريخنا ومؤرخينا.
لفت نظري أن اهتمام الأستاذ هيكل (ت: 2016م) رحمه الله بإيران
كان اهتماما ملفتا، ومبكرا جدا، من وقت أزمة مصدق وتأميم البترول الشهيرة، وحتى مجيء
الإمام الخميني ولقاء الأستاذ هيكل به في باريس قبل وصوله إلى طهران! وكان أول
كتاب صدر للأستاذ هيكل بالعربية "
إيران فوق بركان" سنة 1951م، ومكث هناك
أربعة أشهر في قلب الأحداث، عاش وقتها وقابل الجميع واستمع من الجميع وأسمع الجميع..
قصة الأسلحة النووية لا تكاد تكون مفهومة بل ولا مقبولة، فالجميع يعلم أن أول وآخر قنبلة نووية تم استخدامها في الكرة الأرضية هي قنبلة هيروشيما سنة 1945م.. والتي لم تكن مجرد استخدام لسلاح فتاك لإنهاء الحرب التي طالت، فتاريخ البشر عبر التاريخ كان تاريخ حروبهم التي بدأت وانتهت.. ولكنها كانت مقصودة لتدشين القوة الإمبراطورية الجديدة في العالم (أمريكا)
علاقة مبكرة جدا، الرابط الوحيد فيها هو ما حدث في مصر
بعدها بسنة واحدة 1952م وما تردد في كتاب الأستاذ جلال كشك (ت: 1993م) رحمه الله
عن ثورة يوليو، والدور المركزي للسفير الأمريكي جيفرسون كافري وقتها في الخروج
المشرف لآخر ملوك مصر، الملك فاروق (ت: 1965م).. وما تردد أيضا عن الدور القريب
للأستاذ هيكل من الضباط الأحرار خاصة قائدهم.
* * *
لم يهتم الأستاذ هيكل على مدار تاريخه المهني والسياسي
من تركيا مثلا، وهي المعادل الموضوعي لما تمثله إيران في الوعي العربي، بل هي أقرب،
فتاريخ تركيا في العالم الإسلامي، وفي مصر تحديدا بل وفي أوروبا بعد انتهاء الحرب
العالمية الأولى (1918م)، كان دورا كبيرا ومهما وخصبا، ويغرى بالبحث والتواصل
والاقتراب خاصة أنه كان في قلب السياسة الدولية.
لكن إيران كانت هي الشغل الشاغل لأمريكا، وكانت أيضا
الشغل الشاغل للأستاذ هيكل، وسنتذكر كتابه الشهير عن الثورة الإيرانية "مدافع
آيات الله"، والذي يكاد يكون استنساخا لكتاب الأستاذ فهمي هويدي حفظه الله "إيران
من الداخل"، لكن أدب وسمو خلق الأستاذ فهمي وقربه التاريخي من الأستاذ هيكل نأى
به عن الاقتراب من هذه النقطة المثيرة.. فالمعلومات الفقهية والفكرية بالكتابين
متشابهة تماما، والأستاذ هيكل يحدثك عن السياسة وزعماء السياسة، لكن ليس له في
موضوع الفكر والفقه والدين.
وكان الأستاذ فهمي وقت عمله بمجلة العربي الكويتية من
أوائل الصحفيين الذين اهتموا بفكرة الثورة من الناحية الأيديولوجية.. وزار إيران
وجلس طويلا وسمع كثيرا، بالإضافة طبعا لاهتمامه بالظاهرة الإسلامية من منتصف السبعينيات.
هذه خاطرة عابرة خطرت ببالي خلال متابعة الأحداث غير
المفهومة في علاقة إيران بأمريكا وإسرائيل.
* * *
قصة الأسلحة النووية لا تكاد تكون مفهومة بل ولا مقبولة،
فالجميع يعلم أن أول وآخر قنبلة نووية تم استخدامها في الكرة الأرضية هي قنبلة هيروشيما
سنة 1945م.. والتي لم تكن مجرد استخدام لسلاح فتاك لإنهاء الحرب التي طالت، فتاريخ
البشر عبر التاريخ كان تاريخ حروبهم التي بدأت وانتهت.. ولكنها كانت مقصودة لتدشين
القوة الإمبراطورية الجديدة في العالم (أمريكا)..
ولا مجال لموضوع السلاح النووي كأداة حربية بقدر ما هو
أداة سياسية، وهو ما نلاحظه بوضوح في علاقة الهند وباكستان.. ناهيك عن أن التطور النوعي
للأسلحة التقليدية لم يجعل للأسلحة النووية ميزة متفوقة.. وقد رأينا في حرب الاثني
عشر يوما (حزيران/ يونيو 1925م) كيف قهرت إيران
إسرائيل بصواريخها.. المسألة إذن
يبدو فيها أمر آخر غير مفاوضات النووي.. وهو ما يجعل المسألة تزداد التباسا،
وتزيدنا حيرة في فهمها..
* * *
هل المسألة تتعلق بالخروج المهين لأمريكا من إيران بعد
سقوط الشاه سنة 1979م، وأن الاستراتيجية الأمريكية في آسيا وفي الشرق الأوسط تحتم
أن تكون إيران داخل الحزام الأمريكي بالنظر الى الصين وروسيا؟
هذا أمر بعيد المنال بعد كل هذه السنين، بالإضافة إلى أن
العلاقة مع الصين وروسيا فيها من الروابط ما هو أوثق وأعقد بكثير من قصة الحزام الأمريكي.
* * *
هل المسألة تتعلق بإسرائيل؟
ما رأيناه طوال العقود الماضية يشير إلى أن عداوة إيران
لإسرائيل هي جزء من عداوتها لأمريكا، وأتصور أن إيران كان بإمكانها التدخل بقوة
بعد 7 أكتوبر مباشرة، وكان بالإمكان ليس الخلاص من إسرائيل، ولكن تقليص شديد لهيمنتها
الكذوبة التي عاشت بها زمنا طويلا خاصة بعد حرب 1967م..
وكان الموقف الفلسطيني داخليا سيكون وقتها أقوى كثيرا، وكان
حزب الله يملك وقتها من القوة والظروف ما يمكنه من تحقيق هذا الهدف، على أن هدف
كسر الغطرسة الإسرائيلية تحقق بغض النظر عما نراه الآن من مسرحة الهيمنة
الإسرائيلية /الأمريكية.. وهذه نقطة تاريخية سيبدو لنا تأثيرها، ليس الآن، بل في
الغد القريب إن شاء الله..
ئيل لديها مشكلة وجودية تتعلق بتفكك جبهتها الداخلية، وكانت قد طلبت من أمريكا تأجيل ضربتها لإيران لحين استعداد الجبهة الداخلية والقدرات الدفاعية.. ويبدو أنهم حسبوا حساباتهم فوجدوا أن توقف جبهات الحرب مع إسرائيل سيفتح الجبهة التي لن تغلق إلا بالنهاية المحتومة
فما من عاقل إلا ويفهم ماذا كانت تقصد "طوفان
الأقصى" كنقطة تاريخية فاصلة في تاريخ الصراع، الذي أوشك أن ينتهي، والمشكلة
في الانهيار القريب للتجمع اليهودي داخل الدولة الصهيونية، الذي سيعود إلى أوروبا
مرة ثانية، بل والمشكلة الأقوى هو شرق أوسط ما بعد إسرائيل.. وهذه حقائق
استراتيجية.. فقط سيضاف لها عامل الزمن لتظهر بوضوحها التام الأكمل..
وعودة للسؤال.. إيران لن تدخل في مواجهة وجودية مع
إسرائيل، إلا إذا وجدت نفسها في مواجهة وجودية مع أمريكا، وهو ما لن يحدث.. حرك
حاملات طائرات من هنا لبعد بعد بكرة، المسألة بسيطة للغاية؛ صاروخ هنا وصاروخ هناك
ولن يسقط نظام سياسي أيديولوجي يثبت رواسخه الراسخة من ثمانينيات القرن الماضي. النظام
في إيران يمتلك من قوة الردع الداخلية أضعاف أضعاف ما يمكن أن يتخيل أحد، لأن
التركيبة العرقية لإيران تحتم ذلك.
إسرائيل لديها مشكلة وجودية تتعلق بتفكك جبهتها
الداخلية، وكانت قد طلبت من أمريكا تأجيل ضربتها لإيران لحين استعداد الجبهة
الداخلية والقدرات الدفاعية.. ويبدو أنهم حسبوا حساباتهم فوجدوا أن توقف جبهات
الحرب مع إسرائيل سيفتح الجبهة التي لن تغلق إلا بالنهاية المحتومة، وهي "الجبهة
الداخلية" والنهاية.. انهيار الدولة.. وتذكروا ما قاله جنرالهم الشهير إسحاق
بوريك وقت "طوفان الأقصى".
إذن ما كل هذا الهياج والتصايح والتهديد الإعلامي
المريب، وكلنا نعلم أن أي تهديد خارجي يجعل الجبهة الداخلية في حالة تماسك أقوى وأشد؟
فهل تريد أمريكا للجبهة الداخلية لإيران ترميم نفسها بعد المظاهرات الأخيرة..؟
هناك شيء مطلوب من إيران.. هذا واضح بالطبع.. لكن غير الواضح،
ما هو هذا الشيء؟
x.com/helhamamy