استراتيجية.. واعتصموا بحبل الله

هشام الحمامي
"قصة أخرى تبدأ من تركيا وتعلنها صراحة، ويستهلها رجل الدولة الخطير هاكان فيدان "- الأناضول
"قصة أخرى تبدأ من تركيا وتعلنها صراحة، ويستهلها رجل الدولة الخطير هاكان فيدان "- الأناضول
شارك الخبر
كان ملفتا حديث وزير خارجية تركيا ورئيس مخابراتها السابق، هاكان فيدان، عن حديث الوحدة بين الأمة مستشهدا بالآية الكريمة "واعتصموا بحل الله جميعا ولا تفرقوا"، فقد درجت العادة من القرنين الماضيين أن تكون أحاديث السياسة بعيدة عن توجهات الدين وأحاديثه المعلنة الصريحة، وهو إذ يقول ذلك يذكر واقعا صعبا ألمّ بالأمة وصفه بأنه "واقع النوم" الذي أن له أن ينتهي، وأن على الأمة أن تستيقظ من سباتها.

دائما ما يكون توقيت الحديث متصلا بمضمون الحديث بألف صِلة وصلة، والحديث الذي سمعناه لم يصدر من جهة عادية، بل صدر من جهة استثنائية للغاية، ليس فقط لأنه من وزير مهم وله استيفاءاته المعلوماتية الخطيرة كرئيس سابق لجهاز المخابرات التركي، والذي هو في الحقيقة كان له دور كبير وواسع في المنطقة خلال السنوات العشر الماضية، دور كان يتصل بقلب الأمة وجوهر وجودها فكريا واستراتيجيا.. فيما يتصل بالإسلام عقيدة الأمة وتاريخها الحضاري، أو فيما يتصل بجغرافيا الصراع القديم الجديد.

* * *
القصة الأولى كلها كانت قد بدأت من تركيا، قصة التفتيت والتفريق والتجزيء، وها هي قصة أخرى على النقيض منها تماما، تبدأ من تركيا وتعلنها صراحة، ويستهلها رجل الدولة الخطير هاكان فيدان بمربط فؤاد الموضوع وهو "حبل الله" الذي أُمرنا جميعا كمسلمين من شتى أجناسنا وأعراقنا أن نعتصم به

والملفت أن القصة الأولى كلها كانت قد بدأت من تركيا، قصة التفتيت والتفريق والتجزيء، وها هي قصة أخرى على النقيض منها تماما، تبدأ من تركيا وتعلنها صراحة، ويستهلها رجل الدولة الخطير هاكان فيدان بمربط فؤاد الموضوع وهو "حبل الله" الذي أُمرنا جميعا كمسلمين من شتى أجناسنا وأعراقنا أن نعتصم به، إذ إن التفريط في ذلك كما استمرت الآية الكريمة وأوضحت، هو الفرقة والتفرق، وذهاب كل ذاهب إلى طريق يختلف عن طريق الاعتصام بهذا الحبل المتين.

* * *

توقيت الحديث ليس كأي توقيت إذا نظرنا الآن بعمق فيما نراه الآن في فلسطين وسوريا واليمن وليبيا والسودان، هو عين ما يشرح ويوضح، وليس فقط التوقيت، فالمتحدث -كما سبق- أياديه موصولة كل الوصل بكل هذه الأماكن، وهو وصل موصول بلب الموضوع، وقد رأينا كيف أن إسرائيل اعترضت على أن يكون بلد عضو في الناتو (تركيا) بل من أهم بلدانه؛ على أن يكون ضمن قوة حفظ السلام في غزة بعد اتفاقية شرم الشيخ، رغم أنها كانت حاضرة، ورغم أنها تملك من حيثية الحضور وأسبابه أكثر من أي بلد آخر، فهي البلد الذي تسلمت منه بريطانيا فلسطين سنة 1918م وسلمتها للعصابات الصهيونية.

* * *

نحن أمام حيثية استراتيجية بامتياز، فيها من تاريخ الماضي ومن تاريخ الحاضر ومن تاريخ المستقبل، ما يكفي لسد عين الشمس، إذا اعترضت على وجودها، ولكن إسرائيل هنا تعترض ليس من فهمها لكل ذلك، اعتراض إسرائيل متصل باعتراض الاتحاد الأوروبي على رفض تركيا الانضمام له.

تركيا من أوائل دول العالم التي اعترفت بإسرائيل، وكان هذا أشبه باعتراف الأب بأبوّة من خُطف منه وليده، وهو راض عن ذلك الاختطاف، بل ويباركه، وهو عار تاريخي كان يمكن التبجح به وقتها، مثل التبجح بعداوة الإسلام يومئذ، الإسلام الذي صنع من القبائل التركية إمبراطورية دامت ستة قرون.

* * *

المواطن التركي الذي كان غائبا عما يدور حوله بعد الحرب العالمية الأولى، ودام غيابه مائة عام، مثل إخوانه في عالم العروبة، لم يكن يدرك ذلك، وانخدع كباقي المخدوعين في المنطقة كلها، وتطلب إفاقته وتنبيهه من هذا الغياب جهد المجاهدين ودأب المناضلين وعزم الصابرين.

وكان الأمر أشبه ما يكون بحلم النيام وظل الغمام كما يقولون، لكنه حدث، وتم ونجح وسخر الله للصابرين جندا من أعدائهم ليكونوا لهم حليفا، ونجحوا في فتح ثغرة في سد منيع لتتالى بعدها الثغرات ويوشك السد أن يزول.

وكلنا يعرف الدور الذي قامت به جماعة الخدمة وزعيمهم فتح الله غولن في زوال هذا السد، ونحن لا نعلم شيئا عن أقدار الله والأسباب التي تكون معها، ويتبع فيها السبب السبب.

* * *

لكننا رأينا وتابعنا ولا حظنا وفهمنا وعرفنا، وتطلب الأمر وقتا كثيرا كي نفهم ما فهمناه، ونعرف ما عرفناه، والحكمة القديمة تقول إذا كنت تواجه ضبعا فواجهه على أنه ضبع، وإذا كنت تواجه غزالا فواجهة على أنه غزال، وهذا هو عين التوفيق، في أن ترى الأشياء كما هي، ولا تلتبس عليك بعضها بعضا، ورأينا كل ذلك رأى العين في تركيا، التي ما كان لها أن تكون على ما هي عليه الآن، لولا أن هناك توفيقا..

ما رأيناه في خطوات متسارعة في اليمن، وما رأيناه أسرع وأسرع في سوريا، ثم تسكين الأوضاع في ليبيا وتركها لتفاعلات الزمن وهي تفاعلات خطيرة، فقط انظر وراقب، وها هو السودان ترفع فيها الرايات ويظهر كل شيء على ما فيه بالحقيقة، وجميل بل ورائع أن تكون الدول الركائز في المنطقة متفهمة تماما لهذه الحقيقة

عادة ما يكون رفيق الإخلاص، وهذا "شرط الضرورة" في حركات الإصلاح، والتي رأينا لها نموذجا ناجحا يتحرك بهدى ونور ووعي في تركيا، ابتعدوا قدر الإمكان عن الحكايات والتصريحات والمظاهر الزاعقة، وعرفوا أن المفتاح هو الإنسان كما أشرنا في أكثر من مرة، ليس فقط الإنسان في حاجات روحه ووعيه، ولكن الإنسان في حاجات بدنه ونفسه ورأينا بعدها ما لا تصدقه العيون.

* * *

حديث الوحدة والاعتصام التفتت له دول المنطقة التي بدأت تعرف الأخطار معرفة الإنذار، فالمسألة فيها مما يدعو بالفعل لكل أنواع القلق، والملفت أن الأشياء كلها أصبحت عارية من أي غطاء وكأن نموذج إسرائيل وأرض الصومال نموذج بالغ الفجاجة والتبجح، كأنهم يريدون أن يقولوا كما يقول المصريون الطيبون "على عينك يا تاجر".

وزاد على ذلك ما رأيناه في خطوات متسارعة في اليمن، وما رأيناه أسرع وأسرع في سوريا، ثم تسكين الأوضاع في ليبيا وتركها لتفاعلات الزمن وهي تفاعلات خطيرة، فقط انظر وراقب، وها هو السودان ترفع فيها الرايات ويظهر كل شيء على ما فيه بالحقيقة، وجميل بل ورائع أن تكون الدول الركائز في المنطقة متفهمة تماما لهذه الحقيقة، وكان الأجمل والأروع هو ما اعتمدته تركيا عن طريق حديث الوحدة والاعتصام وطبقته على نفسها، وهي تناشد به إخوتها في المنطقة. وحديث الصدق والصادقين حديث نافذ، ثاقب، لا تمكن مقاومته خاصة إذا كان مقررونا بتصديقات الأفعال.

لكننا والحمد لله قبل "ضحى الغد". هل تعرفون ضحى الغد النذير؟ إنه ما حذر منه الشاعر الجاهلي دريد بن الصمة قومه، مقدما لهم النصيحة التي لم يدركوها إلا بعد فوات الأوان.

بذلت لهم نصحي بـمُنعرِج اللوى   فلم يستبينوا النصح إلا "ضحى الغدِ"

x.com/helhamamy
التعليقات (0)