لم يعد المشهد الإقليمي
قابلا للفهم من خلال منطق "التصعيد والرد"، أو عبر تفسير السلوك
الإسرائيلي
بوصفه استجابة أمنية ظرفية. فإسرائيل اليوم تواجه -أو تشتبك- مع ساحات متعددة في آن
واحد: غزة، والضفة الغربية، ولبنان، وسوريا، وإيران، وحتى تركيا سياسيا وأمنيا. هذا
التزامن لا يبدو عشوائيا، بل يعكس استثمارا واعيا لما يمكن وصفه بنافذة تاريخية فُتحت
في ظل مرحلة تفكك القواعد الناظمة للنظام الإقليمي والدولي.
لكن أي هندسة؟ ولماذا
الآن؟ وهل نحن أمام مشروع سيطرة أم إدارة فوضى؟
تمر المنطقة والعالم
بمرحلة استثنائية من تفكك القواعد التي كانت تضبط الصراع وتحدّ من استخدام القوة. النظام
الدولي يعاني شللا واضحا، فالقانون الدولي فقد كثيرا من فعاليته الردعية، ومجلس الأمن
بات عاجزا عن فرض أي توازنات. في المقابل، تعيش المنطقة العربية أعمق حالات التفكك
والإنهاك منذ عقود: دول منهكة، ومجتمعات مثقلة بالأزمات،
في مثل هذه اللحظات، لا تنتظر الدول القوية التسويات، بل تسعى إلى فرض الوقائع بوصفها بديلا عن النظام. وهذا ما تفعله إسرائيل
وصراعات داخلية تُضعف أي قدرة
على الفعل الإقليمي المنسق. في مثل هذه اللحظات، لا تنتظر الدول القوية التسويات، بل
تسعى إلى فرض الوقائع بوصفها بديلا عن النظام. وهذا ما تفعله إسرائيل.
من الردع إلى فرض
الواقع
تقليديا، لقد بنت
إسرائيل عقيدتها الأمنية على الردع ومنع الحرب الشاملة، أما اليوم، فيمكن ملاحظة انتقال
واضح نحو
استراتيجية مختلفة: الضرب الوقائي، والتفكيك البنيوي، وتعدد ساحات الضغط.
فإسرائيل اليوم لا تسعى إلى فتح حروب شاملة متزامنة، بل إلى إبقاء كل جبهة في مستوى
تصعيد محسوب، يمنع الخصوم من التفرغ، ويحول دون تشكّل جبهة إقليمية موحدة ضدها. إنها
سياسة "إشغال دائم"، لا "حسم نهائي".
وكما هو دائما، فلسطين
في قلب المعادلة، فما يجري في غزة والضفة الغربية ليس هامشا لهذه الاستراتيجية، بل
مركزها. ففي غزة، لم يعد الهدف الردع أو الاحتواء، بل تدمير البنية الاجتماعية والسياسية
بما يمنع إعادة إنتاج أي مشروع وطني فاعل. أما في الضفة الغربية، فيُستهدف المخيم بوصفه
مساحة سياسية واجتماعية، لا مجرد تجمع سكاني. والرسالة واضحة: إعادة تعريف الفلسطيني
كقضية إنسانية مُدارة، لا كفاعل سياسي صاحب حقوق جماعية.
تفكيك الإقليم بدل
السيطرة عليه
وعلى عكس الخطاب الشائع،
لا تسعى إسرائيل إلى "السيطرة على
الشرق الأوسط" بالمعنى الإمبراطوري، فهي
لا تمتلك القدرة، ولا تحتاج إلى ذلك؛ ما تسعى إليه اليوم أخطر من السيطرة المباشرة:
فهي تسعى الى منع تشكّل إقليم قادر على تقييدها. إقليم ضعيف، منقسم، منهك، تُدار أزماته
من الخارج، وتُحلّ صراعاته دون إطار جامع؛ هذا هو الشرق الأوسط الذي يخدم المصالح الإسرائيلية
في ظل تفكك القواعد الناظمة.
الغطاء الأمريكي جاهز
على المدى القصير، قد تبدو هذه الاستراتيجية ناجحة: تفوق عسكري، وغياب ردع مضاد، وتفكك الخصوم، لكن على المدى المتوسط والطويل، تبرز مخاطر حقيقية
فعودة دونالد ترامب
إلى الحكم لا تعني بالضرورة تفويضا عسكريا مطلقا، لكنها توفر ما تحتاجه إسرائيل فعليا:
غطاء سياسي، وغضّ طرف، وتعطيل أي مساءلة جدية. وفي هذا المناخ الدولي الذي تتآكل فيه
القواعد الضابطة لاستخدام القوة، تصبح الخطوط الحمراء أقل وضوحا، ويُعاد تعريف "الدفاع
عن النفس" على نحو فضفاض.
لكن لهذا اللعبة الاسرائيلية
مخاطر
على المدى القصير،
قد تبدو هذه الاستراتيجية ناجحة: تفوق عسكري، وغياب ردع مضاد، وتفكك الخصوم، لكن على
المدى المتوسط والطويل، تبرز مخاطر حقيقية: ففيها استنزاف متعدد الجبهات، وأخطاء حسابات
قد تشعل تصعيدا غير مضبوط، إضافة الى صعود فاعلين غير تقليديين لا يخضعون لمنطق الردع،
والأهم من هذا وذاك، أن القوة وحدها لا تعوّض غياب القواعد ولا تبني استقرارا دائما.
خلاصة
من المؤكد أن هناك
نافذة تاريخية تحاول إسرائيل استغلالها لإعادة هندسة المجال الإقليمي، مستفيدة من مرحلة
تفكك القواعد التي كانت تضبط الصراع، لكنها ليست هندسة نظام، بل إدارة فوضى، وفارق
كبير بين الاثنين. فالتاريخ في الشرق الأوسط يعلّمنا أن الفوضى قد تُدار لبعض الوقت،
لكنها في النهاية تنقلب على من يحاول التحكم بها، وما يبدو اليوم تفوقا استراتيجيا
قد يتحول غدا إلى عبء سياسي وأمني ثقيل. وفي ظل هذا المشهد، لا يبدو أن دول الإقليم
تملك ترف الانتظار أو الحياد؛ فالمطلوب اليوم تكثيف العمل المشترك لوضع حد أدنى من
القواعد السياسية والأمنية التي تحمي مصالحها قبل أن تُفرض عليها الوقائع بالقوة وتصبح
مجرد متابع لما يُعاد تشكيله في المنطقة..