"أوسيراك 2025": هل تكسر الهيمنة التكنولوجية قواعد "قصر شيرين" التاريخية؟

عبد اللطيف مشرف
"كانت ضربة مفاعل تموز عام 1981 تكتيكية تهدف لكسب بضع سنوات، فإن "رؤية أوسيراك الجديدة" تعتمد على حملة تفكيك مستدامة"
"كانت ضربة مفاعل تموز عام 1981 تكتيكية تهدف لكسب بضع سنوات، فإن "رؤية أوسيراك الجديدة" تعتمد على حملة تفكيك مستدامة"
شارك الخبر
تمهيد: ما هي عقيدة "أوسيراك"؟

قبل الغوص في تداعيات المشهد الراهن، لا بد من تعريف عقيدة "أوسيراك" أو ما يُعرف بمبدأ بيجن (The Begin Doctrine)، وهي الركيزة الاستراتيجية التي أرساها رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن عام 1981 غداة تدمير مفاعل "تموز" (أوسيراك) العراقي. تنص هذه العقيدة بصورة حاسمة على أن إسرائيل لن تسمح لأي طرف "معادٍ" في منطقة الشرق الأوسط بامتلاك أو تطوير أسلحة دمار شامل، وتحديدا السلاح النووي، وتعتبر التحرك العسكري الاستباقي "حقا سياديا" لمنع وصول أي تهديد وجودي إلى مرحلة التشغيل. اليوم، وفي عام 2025، تعود هذه العقيدة للظهور بنسخة مطوّرة (Osirak 2.0)، لا تستهدف مجرد موقع عسكري، بل تسعى لإعادة هندسة التوازن الإقليمي بالكامل.

تحول العقيدة: من الغارة الجوية إلى التفكيك المستدام
من جهة، ترحب أنقرة بكبح جماح الجار النووي، لكنها تخشى من حالة "السيولة الأمنية" التي قد تلي انهيار مراكز القوة في طهران، مما قد يعيد إنتاج أزمات أمنية (كردية أو طائفية) على حدود الأناضول

إن المتتبع لتاريخ الشرق الأوسط يدرك أن الصراع على النفوذ لا ينفصل عن موازين القوى التي تشكلت عبر القرون. اليوم، نجد أنفسنا أمام محاولة جراحية لإعادة صياغة المنطقة عبر "السيادة التكنولوجية المطلقة". فبينما كانت ضربة مفاعل تموز عام 1981 تكتيكية تهدف لكسب بضع سنوات، فإن "رؤية أوسيراك الجديدة" المطبقة في عام 2025 تعتمد على "حملة تفكيك مستدامة" تدمج بين الذكاء الاصطناعي، والتفوق السيبراني، والقوة الجوية الشبحية، لإنهاء أي طموح نووي مستقل وفرض ما يُسمى بـ"المعيار الذهبي" الذي يحرم دول المنطقة من استقلالية التكنولوجيا النووية.

الجغرافيا السياسية بين أنقرة وطهران

تاريخيا، استند التوازن بين القوتين التركية والإيرانية إلى تفاهمات ضمنية تعود جذورها إلى معاهدة "قصر شيرين" (Zuhab) عام 1639، التي وضعت حدا للصراع العثماني-الصفوي. ذاك "الاستاتيكو" التقليدي حافظ على استقرار نسبي للحدود لقرون، لكن "أوسيراك 2025" تسعى لكسر هذا التوازن.

بالنسبة لتركيا، فإن إضعاف الطموح النووي الإيراني يمثل مصلحة استراتيجية للحفاظ على تفوقها التقليدي كقوة كبرى في حلف الناتو، إلا أن نجاح هذه الرؤية في تحييد النفوذ الإيراني سيخلق "فراغا استراتيجيا" في الهلال الخصيب. وهنا تبرز المعضلة؛ فمن جهة، ترحب أنقرة بكبح جماح الجار النووي، لكنها تخشى من حالة "السيولة الأمنية" التي قد تلي انهيار مراكز القوة في طهران، مما قد يعيد إنتاج أزمات أمنية (كردية أو طائفية) على حدود الأناضول، تذكرنا بإرهاصات انهيار السلطة المركزية في أواخر العصور الإمبراطورية.

الهيمنة التكنولوجية كبديل للعمق الاستراتيجي

إن نمط الحروب في 2025 لا يستهدف الأرض فحسب، بل يستهدف "الإرادة والقدرة التقنية". إنها رسالة ليست لطهران وحدها، بل لكل القوى الإقليمية، مفادها أن التفوق لم يعد يقاس بعدد الجيوش أو المساحات الجغرافية، بل بامتلاك شيفرة "التحكم عن بعد".
استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يفرضه طرف ثالث عبر "ضربات جراحية"، بل يجب أن ينبع من توازن حقيقي يراعي الخصوصيات التاريخية
بالنسبة لنا كباحثين في التاريخ السياسي، نرى في ذلك محاولة لفرض نظام إقليمي لا يعتمد على التوازن الطبيعي بين القوى التاريخية (الترك، الفرس، العرب)، بل على هيمنة تكنولوجية وافدة تكسر قواعد الاشتباك التاريخية.

في النهاية إن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يفرضه طرف ثالث عبر "ضربات جراحية"، بل يجب أن ينبع من توازن حقيقي يراعي الخصوصيات التاريخية. إن على أنقرة وطهران إدراك أن الانجرار خلف صراعات القرن الحادي والعشرين بآليات القرن العشرين سيجعل المنطقة ساحة لتجارب "الهيمنة التكنولوجية"، مما يهدد السيادة الوطنية للدول الكبرى في المنطقة ويعيدنا إلى مربعات الصراع التي ظننا أن التاريخ قد تجاوزها.
__________
أهم المصادر والمراجع التي يمكن الرجوع إليها:

- Halil İnalcık: "The Ottoman Empire: The Classical Age".

- Abbas Amanat: "Iran: A Modern History".

- Shlomo Nakdimon: "First Strike" (توثيق عملية أوسيراك 1981).

- أحمد داود أوغلو: "العمق الاستراتيجي" (حول توازنات القوى في الشرق الأوسط).

- أرشيف معاهدة قصر شيرين (1639): دراسات حول استقرار الحدود التركية الإيرانية.
التعليقات (0)