صنع الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي ترامب بتصنيف فروع لجماعة
الإخوان المسلمين كمنظمة
إرهابية حالة من الجدل السياسي الذي لم يتوقف حتّى الآن،
حول أسباب وتداعيات هذا القرار ومستقبل الجماعة وعلاقاتها بالسلطة في العالم
العربي عقب هذا القرار ؛ الذي أتى في سياق ضغوط من تل أبيب وحلفاء إقليميين في الوطن العربي
يصنفون بالفعل الجماعة كمنظمة إرهابية وتمارس ضغوطا مستمرة على واشنطن لاتخاذ موقف
مماثل.
لكن هذا التوجه والذي كان يواجه معارضة قوية من داخل المؤسسة الأمريكية
ذاتها في فترة حكم ترامب الأولى، حيث عارضت وزارة الخارجية ووزارة الدفاع
والاستخبارات الأمريكية فكرة التصنيف لأسباب استراتيجية وأمنية معقدة، قد يفتح
"علبة ديدان" كما يصفها مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأمريكي
"ستراتفور"، مما يعقد المشهد الأمني في المنطقة بدلا من تبسيطه، لكن بعد
التغييرات الجذرية التي قام بها ترامب في أجهزة الأمن القومي، أصبح لا يوجد أحد
يعارضه داخل هذه الأجهزة، حتّى لو على حساب المصالح الأمريكية والأمن القومي
للبلاد.
إن فهم هذا الجدل الأمريكي الداخلي يتطلب تحليلا عميقا لطبيعة جماعة
الإخوان المسلمين ومعضلتها الاستراتيجية الأساسية التي تجعلها في مواجهة دائمة دون
حسم، والتي تتمثل في التناقض الجوهري بين أهدافها المعلنة والوسائل المتاحة
لتحقيقها. هذا التناقض خلق ما يمكن تسميته "معضلة سراب السلطة"، التي
تشكل جوهر الأزمة الفكرية والاستراتيجية التي تعيشها الجماعة منذ عقود.
فهم هذا الجدل الأمريكي الداخلي يتطلب تحليلا عميقا لطبيعة جماعة الإخوان المسلمين ومعضلتها الاستراتيجية الأساسية التي تجعلها في مواجهة دائمة دون حسم، والتي تتمثل في التناقض الجوهري بين أهدافها المعلنة والوسائل المتاحة لتحقيقها
المعضلة الفكرية: سراب السلطة والتناقض الاستراتيجي
تقوم الأدبيات الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين، كما وردت في رسائل الإمام
حسن البنا، على أن الأهداف العليا للجماعة تنتهي بالحكومة الصالحة وصولا إلى
الخلافة الراشدة فأستاذية العالم. هذه الأهداف تتطلب بطبيعتها امتلاك أدوات القوة
الحقيقية: السلطة، والسلاح، والمال، والطاقة، والمعلومات. لكن الواقع يشير إلى أن
النظام العالمي، بقيادة الولايات المتحدة، يعتبر هذه المجالات مناطق محرمة لا يمكن
لأي قوة مستقلة الاقتراب منها، فهو لا يسمح حتى للدول الكبيرة والصغيرة بامتلاك
هذه الأدوات للهيمنة والسيطرة، ومعظم تفاعلاته في العلاقات الدولية هي لحجب أو منع
أو تقليل وصول الدول والكيانات لأدوات القوة والسيطرة، وصراعها مع الصين هو نموذج
واضح لهذه الإستراتيجية.
استراتيجية "سراب السلطة"
لحل هذه المعضلة والتي كنت قد أفردت لها دراسة مستقلة -نشرها المعهد المصري
للدراسات- طور النظام العالمي عقب انتهاء الحقبة الباردة ما يمكن تسميته
استراتيجية "سراب السلطة"، وهي آلية تسمح للحركات الإسلامية بممارسة
العمل السياسي ودخول البرلمان والمشاركة في الحكومة وبعض مناصب الدولة، دون الوصول
الفعلي إلى أدوات الحكم الحقيقية مثل الجيش أو الرئاسة أو الإعلام أو أجهزة
المعلومات أو مؤسسات المال.
هذا النهج يحقق هدفين استراتيجيين للنظام العالمي: أولا، يستوعب طاقات
التغيير في الأمة ويوجهها نحو دولاب عمل مصمم بدقة وله خطوطه الحمراء التي يضمن
مخرجاتها لصالحه، وثانيا، يضفي المشروعية على الأنظمة الحاكمة من خلال مشاركة قوى
شعبية معترف بها في النظام الحاكم. فقبول الإخوان الذين يحظون برضى شعبي كبير؛
مشاركة السلطة مع نظم حاكمة مستبدة تفتقد الشرعية الشعبية هو صك للمشروعية والقبول
به، حتى وإن عارضوا بعض سياساته.
التجربة المصرية: نموذج للمعضلة
منذ أوائل الثمانينيات، وفي عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، سُمح
للإخوان بالعمل السياسي البرلماني كرد فعل على اغتيال الرئيس السادات وتصاعد شعبية
الحركات الجهادية المسلحة. كان الهدف هو سحب البساط من تحت أقدام الجماعات المسلحة
من خلال توفير بديل سياسي "آمن" للتعبير عن التوجهات الإسلامية.
قبلت جماعة الإخوان الدخول في هذه اللعبة السياسية على أمل أنها ستمكنها
تدريجيا من تحقيق أهدافها، فاعتمدت استراتيجية "النضال الدستوري
القانوني" في الإصلاح السياسي. لكن هذه الاستراتيجية أدت إلى خلق حالة من
التناقض الداخلي، حيث يتربى الفرد داخل الجماعة ويتشبع عاطفيا بأهداف يستحيل
تحقيقها إذا ظلت الاستراتيجية الوحيدة لتحقيقها هي النضال الدستوري القانوني الذي
يتم تفصيله على مقاس النظام الحاكم، وهو ما عرف وقتها بمصطلح "ترزية
القوانين".
جاءت ثورات الربيع العربي لتختبر هذه المعادلة على أرض الواقع. في مصر، وصل
الدكتور محمد مرسي إلى سدة الرئاسة، وأصبح للإخوان كلمة على مؤسسات القوة والمال
والإعلام. لكن عندما حاولوا كسر الخطوط الحمراء والتحرك نحو السلطة الفعلية،
مؤسسات القوة والسيطرة، كان الرد سريعا وحاسما بانقلاب الثالث من تموز/ يوليو وما
تلاه من أحداث.
أزمة القيادة الفكرية
لكنّ هذه المحنة الأخيرة لم تنجح في تحفيز العقلي الفكري للجماعة لتعيد
تعريف نفسها ونظرتها للعالم أو مستقبلها، حيث تعاني جماعة الإخوان المسلمين حاليا
من غياب الشخصيات الفكرية القاطرة التي تُمكنها من إعادة تموضع الجماعة داخل
مجتمعاتها. ففي عهد عبد الناصر، امتازت الجماعة بوجود عدد من المفكرين الكبار مثل
سيد قطب ومحمد الغزالي وعبد القادر عودة ويوسف القرضاوي وسعيد حوى وغيرهم، الذين
استطاعوا إعادة إنتاج المشروع الفكري والحضاري للجماعة في أتون المحنة، بغض النظر
عن الاتفاق أو الاختلاف فيما طرحوه من أفكار وقتها.
هؤلاء المفكرون بنوا مشاريعهم الفكرية تحت وقع السياط، فاستطاعت أفكارهم أن
تتحول إلى أفكار قاطرة تنظر للواقع وللجماعة وللوطن، بل حتى للعالم بشكل جديد. أما
اليوم، فالإخوان يعيشون في ظرف أصعب وأشد قسوة من أيام عبد الناصر، لكن دون قاطرة
فكرية تنظر للواقع وتتفاعل معه، نعم هناك مفكرين لكنهم لا يملكون أفكار قاطرة أو
تأسيسية قادرة على إعادة صياغة المشروع الحضاري لها، وأقصى ما هناك هو استدعاء
الماضي من كلام المفكرين القدامى لإسقاطه على الواقع.
هذه الأزمة الفكرية المركزية لم يقتصر تأثيرها على الشأن الداخلي للإخوان
فحسب، ولكن تعدى ذلك للتأثير على الحراك الثوري في المنطقة العربية. فمع اشتداد
الخلاف الداخلي بين فريق متمسك بفكرة الجماعة الإصلاحية التي تنتهج النضال
الدستوري والقانوني، وبين فريق يعتبر الجماعة جماعة ثورية وآخر دعوية فحسب، وآخر
جماعة سياسية بمرجعية دينية ومع هذا الاختلاف الفكري نشأ الخلاف التنظيمي وحالة
التشظي لعدة مجموعات في الجماعة الأم المصرية ودول عربية أخرى، فضعف الجميع وتراجع
التأثير وهي الفرصة التي استغلتها الأنظمة المعادية للجماعة وفكرها لإكمال مخططات الاستئصال
لها.
طوفان الأقصى
حتّى جاء طوفان الأقصى بتداعياته على المنطقة وردود فعل الجماعة بفروعها
المختلفة التي التزمت فيه حرفيا بمساحات الفعل الذي تريده السلطة منها في الدول
العربية، لا ما تحتاجه القضية، لكن وللأمانة رغم أن مساحات الفعل هذه كانت محل
عتاب -دون تسمية -من قيادات حماس التي تنتمي فكريا للحركة، وظهر ذلك في تلميحات
كثيرة من قادتها نشرتها وسائل الإعلام في حينها والتي كانت تنتظر حراكا ضاغطا أكبر،
إلا أن هذا الحراك كان هو العمود الأساسي في الحراك الشعبي المحدود الذي حدث في
عدة دول عربية.
وهو ما يطرح إشكالية أكبر تحتاج إلى نقاش: هل هذا المستوى من الفعل هو ما
أقصى ما يمكن للجماعة تقديمه نظرا للظروف الحالية، أم أنّ فكر الجماعة ومنهجها
الإصلاحي الملتزم بالخطوط الحمراء للسلطة هو الذي جعل الحراك بهذا المستوى، بحيث يصبح
بمثابة تسجيل مواقف أكثر منه ضغط حقيقي لتغيير سياسات الدول الداعمة للكيان
الصهيوني.
طوفان الأقصى والجماعة
في ضوء هذا الواقع المعقد، عادت الجماعة إلى بقعة الضوء مرة أخرى بعد طوفان
الأقصى نتيجة حراكها الشعبي الداعم لغزة رغم الجدل حول الفاعلية والتأثير له كما
أسلفنا، لكنه كان كافيا لقرون الاستشعار لدى الأجهزة الأمنية لمحاولة تحجيم هذا
الدور في دعم غزة، لأنه أريد للمذبحة أن تمضي دون ضجيج وللقضية أن تموت دون عويل،
فتم حلّ الجماعة في الأردن وزادت حملات الاعتقال والتنكيل في دول أخرى.
لكن مؤسسات مدنية محسوبة على الجماعة أو فكرها موجودة في الغرب ظلّت تمارس
أدورها بحرية أكبر عبر في الحشد والتأثير لصالح غزة وضد الصهيونية والإبادة
الجماعية، مما استدعى تدخلات بنسبة مختلفة من الحدة ضد ناشطيها، وهو ما يصل بنا
إلى الموقف الحالي من تصنيف الإدارة الأمريكية لفروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان
كمنظمات إرهابية، مما ستترتب عليه تداعيات عدة على الجماعة وفروعها، فضلا عن
اضطراب العلاقة بينها وبين الأنظمة التي تسمح لها بالعمل تحت سقوف معينة والدخول
في متاهات قانونية وإجرائية عديدة.
لكن المشكلة الأكبر من وجهة نظري التي ستعقد النقاش داخل الإدارة الأمريكية
والأجهزة الأمنية والاستخباراتية بكافة أشكالها؛ هي أن تصنيف الإخوان كجماعة
إرهابية سيلغي عملية الفكرة التي بنى عليها النظام العالمي علاقته بالجماعة وتحدثنا
عنها سابقا، فكرة "سراب السلطة" تلك الفكرة التي تم احتواء معظم
الإسلاميين الحالمين بالتغيير السياسي السلمي أو الديمقراطي تحت مظلتها، والتي
تنتهي عادة في "هوامش السلطة" عدة مقاعد برلمانية لا تملك تمرير قانون
أو منصب وزراي هامشي لإعطاء المشروع الشعبية للنظام الحاكم.
هذه الفكرة أو الإستراتيجية ستنتهي، مما سيفتح الباب على مصراعيه على انخراط شباب
الجماعة وغيرهم من الحالمين بالتغيير بعد غلق المسار السياسي المصمم بعناية إلى أطر
ومسارات لا تملك السيطرة عليها، وهو ما قد يؤدي إلي فوضى وتداعيات لا تحتملها
الإدارة الأمريكية وحلفاؤها على المدى المتوسط والبعيد.
الجماعة أمام مفترق طرق
المطلوب اليوم هو شجاعة فكرية وسياسية للتفكير خارج الصندوق، وإعادة تقييم جذرية للأهداف والوسائل، واستعداد لاتخاذ قرارات صعبة قد تبدو مؤلمة في المدى القصير، لكنها ضرورية للبقاء والاستمرار في المدى الطويل
إن مسألة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية تتجاوز كونها مجرد
قرار إداري أمريكي إلى كونها قضية استراتيجية معقدة، تتداخل فيها اعتبارات الأمن
القومي والسياسة الخارجية والتوازنات الإقليمية والمصالح الاقتصادية.
الجماعة نفسها تقف أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تواجه أزمة فكرية
واستراتيجية عميقة تتطلب إعادة تفكير جذرية في أهدافها ووسائلها وأساليب عملها.
فهي لا تستطيع الاستمرار على النهج الحالي دون أن تفقد المزيد من قوتها وتأثيرها،
كما أنها لا تستطيع التغيير الجذري دون مخاطر جسيمة على وجودها ذاته.
في النهاية، مستقبل جماعة الإخوان المسلمين لن يتحدد فقط بالقرارات
الأمريكية أو الضغوط الخارجية، بل بقدرتها على إيجاد حلول إبداعية لمعضلتها
الاستراتيجية الأساسية في تناسب أهدافها العليا مع منهجها ووسائلها، فإمّا تغير من
أهدافها للتناسب مع أسقف عملها التي اختارتها لنفسها منذ السبعينات، وإمّا أن تطور
منهجها ووسائلها لتتناسب عمليا مع أهدافها العليا.
المطلوب اليوم هو شجاعة فكرية وسياسية للتفكير خارج الصندوق، وإعادة تقييم
جذرية للأهداف والوسائل، واستعداد لاتخاذ قرارات صعبة قد تبدو مؤلمة في المدى
القصير، لكنها ضرورية للبقاء والاستمرار في المدى الطويل. فالمستقبل لن يكون
للحركات التي تعيش في الماضي أو تحلم بالمستحيل، بل للتي تقرأ الواقع بوعي وتتعامل
معه بحكمة.
بغير ذلك، ستظل الجماعة تعاني من أزمات فكرية وتنظيمية متتالية، تعيش داخل
شرنقة المحن والصبر على البلاء وانتظار للخلاص الذي يأتي من خارجها دون بذل جهد
كافي للبحث عنه داخلها.
youtube.com/@Mamdouh_Almoner