الرغيف المفقود: حين يكشف الخبز حدود العدالة الدولية

عزات جمال
"رصد خطر حقيقي يتمثل بإمكانية الانزلاق إلى مجاعة واسعة النطاق"- الأمم المتحدة
"رصد خطر حقيقي يتمثل بإمكانية الانزلاق إلى مجاعة واسعة النطاق"- الأمم المتحدة
شارك الخبر
لم يعد الخبز مجرد غذاء يومي في القطاع المحاصر، بل تحوّل إلى مؤشر صارخ على عمق الأزمة الإنسانية، وحدود النظام الدولي في الاستجابة لها. أكثر من 2.2 مليون إنسان يعيشون اليوم على وقع سؤال بسيط؛ لكنه قاس: هل سنحصل على رغيف خبز؟ هذا التحول من الوفرة إلى الندرة لا يعكس فقط أزمة إمدادات، بل انهيارا في منظومة كاملة كانت تؤمّن الحد المعقول من الأمن الغذائي، حيث تشير المعطيات إلى أن القطاع يحتاج يوميا إلى نحو 450 طنا من الطحين لتغطية الاحتياجات الأساسية، في حين لا يتوفر فعليا إلا كميات قليلة نحو 200 طن بما يعادل أقل من نصف الكمية المطلوبة.

هذه الفجوة ليست رقما مجردا، بل تعني عمليا أزمة عميقة يترتب عليها أن آلاف الأسر لن تتمكن من الوصول إلى الخبز يوميا. ومع انخفاض الإنتاج بنسبة تصل إلى 50 في المئة في معظم مناطق القطاع، يتحول النقص إلى واقع دائم، لا أزمة عابرة. قبل الحرب الأخيرة، كانت غزة تعتمد على شبكة من المخابز التجارية والآلية بقدرة إنتاجية عالية، بينما في ظل الواقع الراهن باتت تتراوح نسبة عمل المخابز التي استطاعت العودة للإنتاج بين 30 في المئة و50 في المئة في أعلى الحالات، وهي مدعومة جزئيا من منظمة الغذاء العالمي، لتوفير الخبز بأسعار معقولة.
تنعكس هذه الأزمة المصطنعة بشكل مباشر على الواقع الإنساني، حيث أصبحت طوابير الخبز مشهدا يوميا مألوفا، وتراجعت القدرة على استهلاك الغذاء بشكل عام. ومع اعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات، يزداد الاعتماد على الخارج، وبذلك يضمن الاحتلال الإسرائيلي بقاء الأزمة قائمة ومتواصلة
أما اليوم وفق منظمة الأوتشا، فقد تقلّصت هذه الشبكة بشكل حاد، حيث لم يعد يجري تشغيل سوى عدد 9 مخابز من أصل 30 مخبزا مدعوما، وأُغلقت بقية المخابز بالكامل. هذا التراجع يعكس هشاشة البنية الإنتاجية في ظل الأزمات الممتدة والحصار المفروض.

في هذا السياق، برز دور برنامج الغذاء العالمي كفاعل رئيسي ومهم في محاولة احتواء الأزمة. إذ يوفر البرنامج مساعدات غذائية لأكثر من مليون شخص شهريا، ويوزع مئات آلاف الوجبات يوميا عبر مطابخ مجتمعية بإشراف منظمة المطبخ العالمي، إضافة إلى دعمه المباشر للمخابز بالطحين والخميرة والمواد الأساسية. غير أن هذا الدور، رغم أهميته، يظل أقرب إلى "إدارة أزمة" منه إلى حل جذري لها.

لقد كشف الواقع أن الاحتلال الإسرائيلي يعمل على استمرار نموذج "الإغاثة المقننة" القائم على التدفقات الخارجية المحسوبة، والذي يظهر هشاشة متعمدة ويبقي سلاح التجويع حاضرا بقوة كخيار استراتيجي، يُستدعى عند الحاجة بكل سهولة ويسر. ففي لحظات الانقطاع، كما حدث عند إغلاق المخابز المدعومة بسبب نفاد الوقود أو الطحين، تتوقف المنظومة بالكامل، وتطل المجاعة برأسها. وهذا يطرح تساؤلا جوهريا: هل يمكن الاعتماد على المساعدات وحدها لضمان الأمن الغذائي في بيئة غير مستقرة؟ وهنا للإجابة بواقعية لا بد من الإشارة لأوجه الأزمة المختلفة، ولعل في مقدمتها يأتي النقص الحاد في الطحين، نتيجة القيود على إدخال السلع، وتراجع الإمدادات إلى أقل من 40 في المئة من مستويات ما قبل الحرب. كما أن الاعتماد على معبر واحد يضاعف من هشاشة سلسلة التوريد، ويجعل أي تأخير أو تعطيل سببا مباشرا في تفاقم الأزمة.

إلى جانب ذلك، تمثل أزمة الوقود والطاقة عاملا حاسما في تعطيل الإنتاج. فبجانب ندرته فقد ارتفعت أسعار السولار بنسبة 438 في المئة في سابقة غير مسبوقة عالميا ولا محليا، بينما تعاني المخابز من نقص هذا المورد الهام بجانب أزمة شح الغاز وارتفاع سعره هو الآخر، ما يجعل تشغيل الأفران أمرا مكلفا وغير عملي. ومع غياب بدائل طاقة فعالة، تصبح القدرة الإنتاجية رهينة لتوفر الوقود.

كما أن عدم وجود قطع غيار ومعدات وأفران حديثة يفاقم المشكلة، ما سبق أدى لارتفاع أسعار الخبز إلى مستويات قياسية وصلت لـ400 في المئة. هذه الحقائق لا تعكس فقط أزمة عرض، بل أيضا خللا في آليات التوزيع، وظهور أنماط احتكار وسوق سوداء بسبب ارتفاع الطلب، الأمر الذي يزيد من معاناة السكان. أما المخابز المحلية، فقد وجدت نفسها أمام معادلة مستحيلة: تكاليف تشغيل مرتفعة، وإمدادات غير مستقرة، وخطر القصف والاستهداف للمكان والعاملين كما في عدة حالات موثقة جرى فيها استهداف مخابز، وبنية تحتية متضررة. وفي ظل هذه الظروف، يصبح الاستمرار في الإنتاج تحديا بحد ذاته، ما يدفع العديد منها إلى الإغلاق أو العمل بشكل متقطع في أحسن الأحوال.

المخابز الآلية، التي كانت تشكل العمود الفقري للإنتاج قبل الحرب بحيث كان بعض المخابز يستطيع توفير 100 ألف رغيف يوميا عند توفر الإمدادات اللازمة، لم تكن بمنأى عن هذا الانهيار هي الأخرى. فقد تعرضت لدمار واسع، أو تعمل حاليا بأقل من نصف طاقتها، في ظل نقص الوقود والمواد الخام، ومع غياب القدرة على إعادة التأهيل المطلوب، لذلك يتراجع الإنتاج لأدنى مستوياته.

تنعكس هذه الأزمة المصطنعة بشكل مباشر على الواقع الإنساني، حيث أصبحت طوابير الخبز مشهدا يوميا مألوفا، وتراجعت القدرة على استهلاك الغذاء بشكل عام. ومع اعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات، يزداد الاعتماد على الخارج، وبذلك يضمن الاحتلال الإسرائيلي بقاء الأزمة قائمة ومتواصلة.

غير أن التداعيات لا تتوقف عند حدود الجوع، بل تمتد إلى آثار صحية خطيرة، خاصة على الأطفال، مع تزايد حالات سوء التغذية. كما يلجأ ما نسبته 55 في المئة من السكان إلى استخدام وقود بدائي للطهي، ما يعرّضهم لمخاطر صحية إضافية. اقتصاديا، تعكس الأزمة انهيارا في القدرة الشرائية، وفقدانا لآلاف فرص العمل، خاصة في قطاع المخابز. ومع تعطّل هذا القطاع، تتعطل معه سلسلة من الأنشطة المرتبطة به، حيث رصدت تقارير الأمم المتحدة ما نسبته 41 في المئة من السكان تدهورت قدرتهم على الوصول للغذاء،
عندما يتحول رغيف الخبز إلى سلعة نادرة، وورقة ضغط ومساومة، وأداة ابتزاز للمدنيين، فإن ذلك يضع هذه القواعد والأسس والقوانين والتقارير الدولية موضع اختبار حقيقي، فالمسؤولية الدولية الواجبة هي الانتصار للإنسان والحق والعدل والقانون
وأقل من 26 في المئة من الاحتياجات الغذائية يتم تلبيتها أحيانا، في ظل رصد خطر حقيقي يتمثل بإمكانية الانزلاق إلى مجاعة واسعة النطاق، وفق ذات التقارير الصادرة عن برنامج الغذاء العالمي وغيره من المنظمات.

أما على الصعيد القانوني، تثير هذه الأزمة المصطنعة، تساؤلات عميقة حول مدى القدرة على إلزام الاحتلال الإسرائيلي بقواعد القانون الدولي الإنساني في القطاع المحاصر، خاصة بعد سريان قرار وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ألا يحظر العالم استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب؟ ولماذا لا يُلزم الاحتلال الإسرائيلي بضمان وصول المساعدات الغذائية لمستحقيها؟ وحتى متى سيستمر الصمت على عرقلة وصول الإمدادات الإنسانية للسكان؟

لذلك، عندما يتحول رغيف الخبز إلى سلعة نادرة، وورقة ضغط ومساومة، وأداة ابتزاز للمدنيين، فإن ذلك يضع هذه القواعد والأسس والقوانين والتقارير الدولية موضع اختبار حقيقي، فالمسؤولية الدولية الواجبة هي الانتصار للإنسان والحق والعدل والقانون.

في الختام بتقديري، تكشف أزمة الخبز في غزة عن أكثر من مجرد نقص في الطحين أو في الوقود والمعدات والآلات؛ إنما تعكس رؤية واضحة ومنهجية عمل يعمل عبرها الاحتلال الإسرائيلي على إبقاء الأزمة الإنسانية قائمة، وهو سلوك يرتقي لسياسة العقاب الجماعي. فالخبز هنا ليس مجرد غذاء، بل حاجة ضرورية للسكان، ما يجري يعد اختبارا حقيقيا لقدرة العالم على ضمان أبسط حقوق الإنسان في القرن الواحد والعشرين، ألا وهو الحق في الحصول على الغذاء بكرامة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)