بفعل سياسة الندرة المهندسة.. كيف تحول الماء إلى أداة ضغط وسيطرة في غزة

عزات جمال
"الأطفال الذين ينشأون في بيئة تفتقر إلى المياه النظيفة معرضون لسوء التغذية، وتأخر النمو، وضعف المناعة، ومن ثم ترتفع نسبة الوفيات"- الأناضول
"الأطفال الذين ينشأون في بيئة تفتقر إلى المياه النظيفة معرضون لسوء التغذية، وتأخر النمو، وضعف المناعة، ومن ثم ترتفع نسبة الوفيات"- الأناضول
شارك الخبر
عندما نتحدث عن أزمة شح المياه في غزة، فنحن لا نعني النقص في مورد طبيعي؛ بل نشير لسياسة تُدار بوعي من الاحتلال الإسرائيلي حيث يستهدف من خلالها أساس من أساسيات وجود أي تجمع إنساني، فالاحتلال الاسرائيلي يُعيد تعريف الماء من حقٍ إنساني أساسي إلى أداة ضغط وسيطرة. فوفق ما كشفه التقرير الصادر عن منظمة "أطباء بلا حدود" وهو الثالث على التوالي الذي يحذر من سياسات الاحتلال العدوانية بحق سكان القطاع المحاصر، فإن ما يجري يتجاوز حدود الكارثة الطبيعية، ليصل إلى مستوى "الندرة المُهندسة" التي تُنتج بيئة غير قابلة للحياة.

معلوم بأن الوصول إلى المياه النظيفة حجر الأساس للصحة العامة، فغيابها لا يعني العطش فقط، بل يفتح الباب واسعا أمام سلسلة لا متناهية من الاضطرابات المتعددة، تؤدي في النهاية لانتشار الأمراض والأوبئة، هذه الأمراض في البيئة المكتظة في مخيمات النزوح التي يُجبر السكان على العيش فيها، والفقيرة بالخدمات الصحية تتحول لأداة قتل لا ترحم. وفي حالة غزة، حيث تزامن انهيار منظومة المياه مع تدهور القطاع الصحي، فإن التأثير يصبح مضاعفا بل كارثيا لأبعد الحدود.

فالتقرير يثبت بأن الاحتلال الإسرائيلي وفق سياساته التي انتهجها على مدار عامين من الحرب، قد دمر ما يقارب من 90 في المئة من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، الأمر الذي لا يمكن اعتباره أثرا جانبيا للحرب على غزة؛ بل هو استهداف ممنهج ومباشر لمقومات بقاء السكان دفعا نحو التهجير. فمحطات التحلية والآبار وشبكات التوزيع ليست مجرد منشآت خدمية، بل هي شرايين حياة بالنسبة للسكان. وعندما تُستهدف هذه الشرايين أو يُمنع إصلاحها، إضافة لمنع الاحتلال الإسرائيلي الإمدادات الحيوية، فإن ثلث طلبات إدخال معدات المياه (مثل مضخات، مواد تعقيم، وحدات تحلية) تم رفضها أو تجاهلها، والنتيجة الحتمية هي دفع المجتمع نحو العطش والمرض وربما النزوح القسري، في خلاصة تعتبر أن أزمة المياه في غزة سياسية متعمدة وليست أزمة عرضية، وتشكل جزءا من بيئة معيشية قسرية تهدد حياة السكان بشكل مباشر.

يُحرم الإنسان من الماء، يُحرم من أبسط شروط الكرامة والبقاء على هذه الأرض. وهنا، لا يعود السؤال فقط عن حجم الكارثة؛ بل عن مسؤولية الوسطاء والعالم في الانتقال من مرحلة التوصيف، إلى مرحلة اتخاذ الإجراءات

هذا الواقع يضع الوسطاء والمنظمات الدولية والأمم المتحدة، أمام اختبار حقيقي. فالقانون الدولي الإنساني واضح في تحريم استخدام الموارد الأساسية وعلى رأسها المياه، كوسيلة للعقاب الجماعي وأداة قتل. ومع ذلك، تكشف الوقائع عن فجوة بين النصوص القانونية وآليات التنفيذ، حيث تستمر الانتهاكات دون رادع فعلي.

الأخطر من ذلك، أن أزمة المياه لا تقف عند حدود اللحظة الراهنة، بل تُنتج آثارا بعيدة المدى. فالأطفال الذين ينشأون في بيئة تفتقر إلى المياه النظيفة معرضون لسوء التغذية، وتأخر النمو، وضعف المناعة، ومن ثم ترتفع نسبة الوفيات بينهم لا قدر الله. كما أن تلوث المياه الجوفية نتيجة تدمير شبكات الصرف الصحي قد يستمر لسنوات، ما يجعل إعادة الإعمار أكثر تعقيدا وكلفة صحيا وبيئيا واقتصاديا.

إن ما يجري في غزة يرقى لوصفه "إبادة بصمت" ويفرض إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإنساني للسكان المدنيين. فالأمن لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يشمل ضمان الوصول إلى الماء والغذاء والرعاية الصحية المناسبة، هذه أساسيات يجب أن يتم الضغط على الاحتلال الإسرائيلي الالتزام بها من منطلق الحق الإنساني المكفول. ومن دون ذلك، فإن أي حديث عن "تهدئة" يظل هشا وقابلا للانهيار.

في الختام، تكشف أزمة المياه في غزة عن معادلة قاسية: حين يُحرم الإنسان من الماء، يُحرم من أبسط شروط الكرامة والبقاء على هذه الأرض. وهنا، لا يعود السؤال فقط عن حجم الكارثة؛ بل عن مسؤولية الوسطاء والعالم في الانتقال من مرحلة التوصيف، إلى مرحلة اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة الحياة لغزة المنكوبة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)