غزة: لم تنته الحرب بعد.. فالمعركة السياسية مستمرة

محمد مصطفى شاهين
"صمود الفلسطينيين على أرضهم رغم كل محاولات الاقتلاع هو بحد ذاته انتصار استراتيجي"- جيتي
"صمود الفلسطينيين على أرضهم رغم كل محاولات الاقتلاع هو بحد ذاته انتصار استراتيجي"- جيتي
شارك الخبر
تخرج غزة اليوم من تحت الركام لتواجه العالم بسؤالين لا بسؤال واحد؛ السؤال الأول: كيف نوقف آلة القتل الإسرائيلية التي لا تتوقف عن الدوران؟ والسؤال الثاني وهو الأكثر إلحاحا: كيف ننتصر سياسيا؟

في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ القضية الفلسطينية حيث تتداخل الدماء بالحوارات وتختلط أصوات القصف بأصوات النقاش السياسي، تتكشف الصورة عن مشهد شديد التعقيد والتداخل تتصارع فيه المشاريع والرؤى، لا سيما في ظل غياب استراتيجية وطنية جامعة تتجاوز المحنة الراهنة وتستشرف ما بعد الحرب.

إن ما يجري في غزة ليس مجرد جولة جديدة من الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، بل هو استحقاق وجودي أعاد خلط الأوراق السياسية الفلسطينية من جذورها، وكأن الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة لم تكن فقط حربا على بنية المقاومة العسكرية، بل كانت أيضا حربا على فكرة المشروع الوطني الفلسطيني برمته.

وهنا تتجلى فكرة أن الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى، فما تقوم به إسرائيل ليس عملا عسكريا منفصلا عن أهدافها السياسية، بل هو ترجمة دموية لاستراتيجية رسم الأهداف وتشكيل البنية الجغرافية والديموغرافية للقطاع على نحو يخدم تصفية القضية الفلسطينية.

ما تقوم به إسرائيل ليس عملا عسكريا منفصلا عن أهدافها السياسية، بل هو ترجمة دموية لاستراتيجية رسم الأهداف وتشكيل البنية الجغرافية والديموغرافية للقطاع على نحو يخدم تصفية القضية الفلسطينية

ولكن ما يثير الدهشة والأسى معا أن الفلسطينيين الذين يجيدون قراءة العدو بصبر أسطوري عليهم قراءة أنفسهم بوضوح كاف، فبينما يخوضون حربا وجودية على الأرض يديرون حوارات لا تقل شراسة في الغرف المغلقة. لقد شكل ملف ما بعد الحرب في قطاع غزة المحور الأساسي للنقاش السياسي في لقاءات القاهرة وغيرها، حيث دار حوار معمق بين حركة حماس والفصائل الوطنية حول مستقبل إدارة القطاع وترتيباته الأمنية والحكومية في ظل تساؤلات جوهرية حول السلاح والدور السياسي لكل طرف في المرحلة المقبلة.

وهنا يكمن مركز الثقل في هذه الحرب ليس موقعا جغرافيا أو قوة عسكرية محددة، بل هو الإرادة السياسية والمعنوية للصمود، وإسرائيل تسعى لكسر هذه الإرادة عبر سياسة التجويع والتهجير الممنهجين ضد قطاع غزة، بهروبها من استحقاقات اتفاق الهدنة وعدم إكمال متطلبات المرحلة الأولى واستمرار خروقاتها، بينما الفلسطينيون يراهنون على الصمود الأسطوري لتحويل الصمود إلى نصر سياسي. ولكن كي يتحقق النصر السياسي والإرادة السياسية ينبغي على الفصائل التمسك بالوحدة الوطنية وإذابة الاختلافات لصالح الكل الوطني.

وإذا كان النقاش بين حماس والفصائل على قدر كبير من الحساسية بشأن غزة، فإن مجرد إقدام الفصائل على إجراء حوار يشير إلى صحوة إيجابية وإدراك متزايد من الجانبين لخطورة استمرار حالة الفراغ والتشرذم التي تخدم أعداء القضية فحسب.

إنه اعتراف ضمني بأن الحرب المحدودة التي لا تحقق أهدافها السياسية تتحول إلى حرب مطلقة تستنزف الطرفين، وهذا تماما ما ينبغي الحذر منه لأن من لا يحدد هدفه السياسي بوضوح يخوض حربا بلا نهاية.

وهنا تكمن المفارقة العميقة، فالوحدة التي طال الحديث عنها كشعار باتت اليوم ضرورة وجودية ليس فقط لمواجهة العدو بل لإنقاذ المشروع الوطني من الضياع. علينا أن نتذكر بأن العناصر الأخلاقية هي من أكثر العناصر أهمية في الحرب، وأي وحدة وطنية هي قبل كل شيء حالة أخلاقية قبل أن تكون ترتيبا سياسيا.

واللافت في هذه النقاشات هو انزياح نخب فلسطينية واسعة نحو خطاب العقلانية السياسية الذي يغلب المصلحة الوطنية العليا على ما عداه من اعتبارات ضيقة؛ صحيح أن هناك تخوفا من فرض حلول لا تعبر عن الإجماع الوطني، لكن إدراك الكلفة الباهظة للانقسام يدفع الجميع نحو قدر من المرونة.

وهذا الانزياح يمثل تحولا نوعيا في الوعي السياسي الفلسطيني لأنه يعكس إدراكا متزايدا بأن الحرب التي تخاض في الميدان لا يمكن أن تنتصر إذا انهزمت الحرب في ميدان الوعي والسياسة.

بإزاء هذا الصراع الفكري يمكن القول إن المأزق الفلسطيني الحالي ليس مجرد أزمة سياسية على السلطة أو خلاف على برنامج مرحلي، بل هو صراع على تعريف المشروع الوطني الفلسطيني نفسه والعقيدة الأمنية والوطنية لأجهزة الوطن وطبيعة الحامل السياسي القادر على حمله نحو شاطئ التحرر والاستقلال.

ثمة تساؤلات جوهرية تطل من قلب هذه المناقشات، أبرزها: هل يمكن أن يستقيم النظام السياسي الفلسطيني بسلطتين منفصلتين تحت سقف وطن واحد، أم أن الضرورة التاريخية تفرض نموذجا جديدا للحكم تتوحد فيه المؤسسات وتتسق فيه الأدوات مع الغايات بعيدا عن حسابات الانفراد والهيمنة.

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست ترفا فكريا، بل هي الخطوة الأولى في إعادة تعريف مركز الثقل الفلسطيني الذي يجب أن يكون الإرادة السياسية الموحدة؛ لا التفرق الذي يقدمه العدو على طبق من ذهب.

على الصعيد الإعلامي تكشف حرب غزة عن حقيقة مُرة، وهي أن الحرب تجري في ثلاثة ميادين: ميدان القتال المادي وميدان العقول والقلوب، وميدان الرواية واستهداف إسرائيل للصحفيين الفلسطينيين بشكل ممنهج، حيث قتل الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 250 صحفي ليس مجرد جرائم حرب معزولة، بل هو محاولة لتدمير الرواية المضادة، وهذا يندرج ضمن استراتيجية قطع اللسان أي منع نقل الحقيقة إلى العالم الخارجي. والجيد أن الفلسطينيين الذين يجيدون توثيق جرائم العدو تعلّموا كيف يديرون روايتهم الداخلية بوضوح بفضل الإعلامي الفلسطيني المقاوم.

أما الإصلاحات العسكرية والأمنية فهي الأكثر إلحاحا ولكنها الأكثر تعقيدا، فلا يمكن الحديث عن إصلاح المؤسسة الأمنية الفلسطينية بمعزل عن تحديد هويتها ووظيفتها؛ هل هي شرطة مدنية تحفظ الأمن والنظام أم هي نواة لجيش وطني مقاوم للاحتلال؟

المطلوب فلسطينيا ليس فقط الصمود على الأرض، بل تفعيل أدوات القوة الجيوسياسية الكامنة عبر استثمار الاعترافات الدولية المتزايدة بالدولة الفلسطينية الدبلوماسية الجماهيرية، لتحويل الصراع من مواجهة غير متكافئة مع إسرائيل إلى مواجهة سياسية وقانونية مع المجتمع الدولي لإلزامه بمسؤولياته

جيوسياسيا، تقف القضية الفلسطينية اليوم أمام منعطف خطير مع مشاريع التهجير وإعادة رسم الخرائط، وذلك يعلمنا أن الجغرافيا هي أحد أهم عناصر القوة في الحرب، فصمود الفلسطينيين على أرضهم رغم كل محاولات الاقتلاع هو بحد ذاته انتصار استراتيجي.

والمطلوب فلسطينيا ليس فقط الصمود على الأرض، بل تفعيل أدوات القوة الجيوسياسية الكامنة عبر استثمار الاعترافات الدولية المتزايدة بالدولة الفلسطينية الدبلوماسية الجماهيرية، لتحويل الصراع من مواجهة غير متكافئة مع إسرائيل إلى مواجهة سياسية وقانونية مع المجتمع الدولي لإلزامه بمسؤولياته.

أخيرا، الإصلاح القانوني هو السلاح الأكثر إهمالا في الترسانة الفلسطينية، ففي حين يستخدم الفلسطينيون القوة والعبوات الناسفة تستخدم إسرائيل القانون الدولي كسلاح استراتيجي لتبرير جرائمها، والرد الفلسطيني يجب أن يكون بتفعيل أدوات القانون الدولي بشكل منهجي عبر ملاحقة قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية وتوثيق جرائم الحرب والإبادة الجماعية بشكل احترافي، والانضمام إلى كافة الاتفاقيات والمنظمات الدولية التي تعزز المكانة القانونية للدولة الفلسطينية.

إن الفلسطينيين يقفون اليوم على مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يكونوا واضحين في أهدافهم السياسية وكيفية تحقيقها فيحولوا صمودهم الأسطوري إلى نصر استراتيجي، وإما أن يظلوا ضحية لانقساماتهم الداخلية فتضيع التضحيات الجسام في متاهة السياسة التي لا ترحم.

إن إصلاح البيت الفلسطيني سياسيا وإعلاميا وعسكريا وجيوسياسيا وقانونيا ليس ترفا ولا رفاهية، بل هو ضرورة وجودية لتحويل الدماء والدموع إلى دولة حقيقية تنعم بالحرية والكرامة.

وفي الختام، يبقى السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه القادة الفلسطينيون على أنفسهم: ما هو الهدف السياسي النهائي من هذه التضحيات الجسام؟ وكيف يمكن تحويل هذا الصبر الأسطوري إلى نصر تاريخي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مهمة قادة الفصائل وحدهم، بل هي مهمة كل فلسطيني يدرك أن الحرب ليست فقط ما يجري في الميدان، بل هي قبل ذلك وبعده ما يجري في العقول والقلوب والسياسة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)