ليس
أمامنا في هذه العتمة الإقليمية إلا أن نتلمس أطراف الحقيقة بصعوبة، ولكن ما تسرب
من تصريحات في فيينا وموسكو وطهران خلال الساعات الماضية يكفي لبعث الرعب في قلوب
كل من يقطن على ضفاف هذه البقعة المضطربة من العالم. المشهد لم يعد يحتمل التأويل؛
محطة
بوشهر النووية الإيرانية صارت هدفا للمرة الرابعة، وسقوط القتلى ليس خبرا
عابرا في نشرات الأخبار، بل هو ناقوس خطر يُقرع معلنا أن "الردع" لم يعد
نظرية سياسية، بل جمرة تحت أقدام ملايين البشر في
الخليج.
السيد
رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو رجل معتاد على
لغة الأرقام والتقارير الجافة، خرج عن صمته المحسوب ليدعو إلى "أقصى درجات
ضبط النفس". هذا ليس بيانا دبلوماسيا روتينيا، بل هو اعتراف مبطّن بأن الرقصة
الأخيرة على حافة الهاوية قد تنتهي بسقوط الجميع. وحين يتحدث مدير
"روساتوم" الروسية عن "تدهور مستمر" في محطة يديرها بنفسه،
فعلينا أن نصدق أن الأمر تجاوز حدود المناوشات العسكرية إلى ما يشبه الانتحار
البيئي الجماعي.
ارتكاب حماقة عسكرية جديدة في بوشهر لن يُشعل فتيل حرب محدودة، بل سيفتح أبواب جهنم بيئية واقتصادية تبتلع الاستقرار في غرب آسيا بكامله. على أصحاب القرار أن يدركوا أن أمن الخليج كل لا يتجزأ، وأن سلامة مياهنا ليست شأنا إيرانيا خاصا، بل هي قضيتنا الوجودية الأولى
ما يُمارس
ضد إيران في بوشهر ليس مجرد استهداف لمنشأة، بل هو مغامرة لا يتحمل عواقبها من خطط
لها، وإنما يتحمل فاتورتها الصياد في البحرين، والمزارع في البصرة، والطفل في
الكويت، وكل من يشرب من مياه هذه البقعة الزرقاء التي هي مصدر رزقنا الوحيد. من
يظن أن
الإشعاع النووي يحمل جواز سفر أو يستأذن الحدود هو واهم، إن أي تسرب إشعاعي
في مياه الخليج سيجعل من "كارثة تشيرنوبل" فصلا عابرا في كتاب النكبات،
لأننا نتحدث عن شريان مائي مغلق تتركز فيه الحياة والثروة السمكية وتحلية المياه
لأكثر من 150 مليون إنسان.
في هذا
السياق تحديدا، لا يمكن النظر إلى التحذير الإيراني بوصفه مجرد خطاب تعبوي أو دفاع
عن النفس، بقدر ما هو صرخة موضوعية يستند فيها الإيرانيون إلى منطق القانون الدولي.
فالمادة الحادية والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة ليست حبرا على ورق، وهي حق مشروع
لكل دولة تتعرض سيادتها لانتهاك متكرر، فلا يعقل أن نطالب إيران بالصمت وهي ترى
إحدى أهم منشآتها المدنية تتعرض لضربات متتابعة وسط غطاء دولي من الصمت المريب.
لكن
السؤال الأكثر إلحاحا هنا موجّه إلى عواصم الخليج العربي قبل غيرها: أين دوركم مما
يجري؟ إن انتظار وصول السحابة المشعة إلى أبوابكم ليس خيارا سياسيا مقبولا.
المطلوب اليوم ليس التنديد الشفوي، بل ضغط دبلوماسي حقيقي على المجتمع الدولي لوقف
هذا العبث. إن الصمت العربي عن استهداف بوشهر هو، بكل بساطة، تواطؤ مع الدمار
القادم.
إن ارتكاب
حماقة عسكرية جديدة في بوشهر لن يُشعل فتيل حرب محدودة، بل سيفتح أبواب جهنم بيئية
واقتصادية تبتلع الاستقرار في غرب آسيا بكامله. على أصحاب القرار أن يدركوا أن أمن
الخليج كل لا يتجزأ، وأن سلامة مياهنا ليست شأنا إيرانيا خاصا، بل هي قضيتنا
الوجودية الأولى. الوقت ليس وقت الحسابات الصغيرة أو الاصطفافات الضيقة، الوقت هو
وقت العقل قبل أن يضيع كل شيء.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.