هل مجلس السلام تصفية للقضية الفلسطينية برداء القانون والنظام؟

محمد مصطفى شاهين
"فرض معادلة إذعان جديدة تخدم المصالح الاستراتيجية للاحتلال"- جيتي
"فرض معادلة إذعان جديدة تخدم المصالح الاستراتيجية للاحتلال"- جيتي
شارك الخبر
لم يكن مشهد النظام الدولي يوما بحاجة إلى مزيد من الأدلة لإثبات عقم رهانات المراهنين على سراب العدالة الدولية أو الوساطة النزيهة، غير أن ما يسمى مجلس السلام الدولي المنبثق برعاية أمريكية ومباركة أممية بموجب القرار 2803 يمثل اليوم الذروة الأخطر في مسار تحويل منظومة العمل الدولي إلى أداة تصفية مباشرة وإلحاق بنيوي للقضية الفلسطينية. إن القراءة المتفحصة لأدبيات هذا المجلس والتقارير المرفوعة منه إلى مجلس الأمن الدولي تكشف بوضوح عن تبن مطلق وممنهج للرواية الصهيونية ومحدداتها الأمنية والعسكرية. لقد أخرجت القضية من سياقها التاريخي كحركة تحرر وطني ضد استعمار استيطاني إحلالي، لتدرج في سياق إدارة أزمات هندسة أمنية واشتراطات تمويلية.

إن المطبخ السياسي لهذا المجلس الذي تصيغ توجهاته عقول صهيونية وأمريكية بامتياز لم يأت لإقرار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بل جاء لفرض معادلة إذعان جديدة تخدم المصالح الاستراتيجية للاحتلال. يتجلى الانحياز البنيوي للمجلس في تفكيكه للمشهد الفلسطيني عازلا قطاع غزة عن عمقه الوطني التاريخي والجغرافي في الضفة الغربية والقدس المحتلة. إن هذا التجزير السياسي يهدف إلى صياغة حلول مجزوءة وممسوخة تبدأ وتنتهي عند حدود الترتيبات الأمنية الفوقية.

يسعى هذا الترتيب الأمني إلى تحويل المهام القتالية والقمعية ضد الحاضنة الشعبية للمقاومة إلى أطراف دولية وإقليمية وتدريب قوات شرطية محلية ممسوخة لحماية الحزام الأمني للكيان الصهيوني

من الناحية القانونية يمارس المجلس عملية تدليس وتكييف قانوني مقلوب للاعتداء المستمر، فهو يتعاطى مع واقع قطاع غزة والضفة الغربية بعيدا عن التوصيف الاستيطاني للاحتلال الصهيوني. وبدلا من تفعيل الآليات العقابية الدولية ضد مجرمي الحرب الصهاينة وضد حرب الإبادة التي خلفت تدميرا طال أكثر من 80 في المئة من البنية التحتية في غزة وحجم ركام ناهز 70 مليون طن، يشرعن المجلس حصارا مقنعا عبر ربط عمليات الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار بنزع السلاح الشامل والفوري لفصائل المقاومة. إن هذا الاشتراط يمثل بحد ذاته انقلابا على أحكام القانون الدولي العام وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أقرت مشروعية مقاومة الاحتلال بكافة الوسائل المتاحة. إن ما يسمى خارطة الطريق للمجلس هي وثيقة صك استسلام تعفي القوة المحتلة من مسؤولياتها القانونية والمدنية بصفة سلطة احتلال، وتنقل العبء والمسؤولية والجريمة إلى الضحية.

أما على الصعيد العسكري والأمني فإن الرؤية الصهيونية هي الناظم الفعلي لكل الترتيبات الميدانية المقترحة. إن طرح فكرة قوة التثبيت الدولية المكونة من 20 ألف جندي تحت قيادة أمريكية موحدة لا يعدو كونه محاولة لإحلال احتلال دولي متعدد الجنسيات نيابة عن جيش الاحتلال الصهيوني؛ الذي عجز عسكريا عن حسم المعركة ميدانيا رغم حرب الإبادة والدمار الشامل. يسعى هذا الترتيب الأمني إلى تحويل المهام القتالية والقمعية ضد الحاضنة الشعبية للمقاومة إلى أطراف دولية وإقليمية وتدريب قوات شرطية محلية ممسوخة لحماية الحزام الأمني للكيان الصهيوني.

إن معادلة نزع السلاح مقابل الإعمار التي يروج لها تقرير المجلس الأخير تفترض خطأ أو خبثا أن سلاح المقاومة هو سبب الأزمة وليس نتيجة طبيعية لوجود الاحتلال، إن تجريد الشعب الرازح تحت الاحتلال من عناصر قوته الدفاعية في ظل استمرار اعتداءات المستوطنين وتصاعد إرهابهم في الضفة الغربية والقدس هو حكم بالإعدام السياسي والجسدي على هذا الشعب وتصفية للقضية برمتها.

في الجانب الاقتصادي والتنموي، تعكس البيانات شيزوفرينا دولية واضحة، فبينما يقدر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عقد من الزمن، يقف المجلس عاجزا ومضللا بإعلانه عن تعهدات هزيلة بلغت 17 مليار دولار لم يحول منها إلا الفتات.
قوة الحق الفلسطيني المستندة إلى الإرادة الشعبية الصلبة والتضحيات الجسام هي الكفيلة بإفشال هندسة ترامب وأدواته الدولية وإعادة الصراع إلى مربعه الحقيقي، باعتباره صراع وجود وتحرر وطني
يتم استخدام أموال الإعمار والتعهدات كأداة ابتزاز سياسي وضغط على لقمة العيش ضد الحاضنة الشعبية، لتمرير ما يسمى اللجنة الوطنية لإدارة غزة أو اللجنة التكنوقراطية الانتقالية التي جرت هندستها في عواصم إقليمية ودولية دون أي غطاء توافقي وطني أو شرعية ثورية ونضالية.

إن الهدف من هذه التراكيب الإدارية الفوقية هو خلق وكيل أمني محلي برداء إداري خدماتي يقوم بوظيفة مكملة لوظيفة التنسيق الأمني لضمان هدوء مجاني للكيان الصهيوني، دون الاضطرار لدفع أي استحقاق سياسي يتعلق بتقرير المصير أو السيادة. إن الموقف الفلسطيني الراهن لا يحتمل الرمادية أو المناورات السياسية العقيمة، فالرهان على فتات الموائد الدولية أو القبول بصيغ مجلس السلام الدولي الاستسلامية هو تساوق مع مشروع التصفية. لا خيار أمام المجموع الوطني الفلسطيني إلا في إسقاط هذه الأطر الالتفافية، والتمسك بالحق الفلسطيني، والرفض القاطع لكل ترتيب أمني أو سياسي لا ينطلق من كنس الاحتلال وتفكيك بنيته الاستيطانية من كل الأرض الفلسطينية المحتلة.

إن قوة الحق الفلسطيني المستندة إلى الإرادة الشعبية الصلبة والتضحيات الجسام هي الكفيلة بإفشال هندسة ترامب وأدواته الدولية وإعادة الصراع إلى مربعه الحقيقي، باعتباره صراع وجود وتحرر وطني لا يقبل المساومة أو المقايضة الإنسانية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)